الضوء في آخر النفق (الجزء 2 / 3)
د. طالب بن خليفة الهطالي
ليس كل فشل ناتجا عن فقر الموارد، ولا كل نجاح مرهونا بوفرتها، فالعجز قد ينشأ من التخمة حين تهدر الإمكانات بلا رؤية وتدار بلا وعي، إذ إن المورد الأثمن في أي مؤسسة ليس المال ولا المباني ولا الأعداد، بل الوعي المبدع والإرادة المتجددة، وحين تقصى العقول من القرار وتفتقد أدوات الاستثمار، تتحول الكفاءات إلى أرقام، والمبدعون إلى منفذين، وتخبو طاقة المؤسسة رغم وفرة مقوماتها، وقد ضرب القرآن الكريم مثلا بليغا في قوله تعالى: ﴿وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة…﴾ [النحل: 112]، فالقرية لم تهلك لفقر طارئ، بل لأنها كفرت بالنعمة، وهكذا المؤسسات، متى تنكرت للإنسان والعقل وروح الاقتراح، ألبست لباس التراجع وإن كثرت مواردها.
ويشير جون كوتر، رائد نظرية قيادة التغيير، إلى خلل بنيوي عميق يتغلغل في نسيج الثقافة الإدارية داخل عدد من المؤسسات، يتمثل في هيمنة الخوف المؤسسي من المبادرة، وتكريس الصمت بوصفه سلوكا آمنا، مقابل تهميش النقد البنّاء الذي يفترض أن يكون أداة تقويم لا تهديدا للسلطة، ففي كتابه (Leading Change)، يوضح كوتر أن معضلة التغيير لا تعزى إلى شح الموارد بقدر ما ترجع إلى تراكم المعوقات النفسية والهياكل التنظيمية الكابحة التي تخنق العقل النقدي وتقصي التفكير الحر، فتفضي إلى صمت جماعي لا يدل على رضا، بل على انطفاء الأمل في جدوى التعبير.
وهذا الصمت المهني كما يراه كوتر، لا ينبع من غياب الحافز بل من غياب القنوات الآمنة لإبداء الرأي، ومن انغلاق الأفق المؤسسي أمام منطق الحوار، وهذا المعنى العميق يجد تجليه الأوضح في أنماط القيادة الإدارية الواعية، حيث لا يقاس الطموح المؤسسي بحجم الإنفاق، بل بقدرة المؤسسة على توجيه مواردها نحو الأثر الفعلي، فالعطاء لا يكمن في وفرة الوسائل، بل في حسن توظيفها واستثمارها بعقل استراتيجي يدرك متى يمنح، ولمن، وبأي غاية.
لا تزال بعض الممارسات المؤسسية تخفي خلف الأبواب المغلقة مثلا شائعا يتردد همسا: “السكوت من ذهب”، غير أن هذا الذهب قد يتحول إلى قيد حين يستخدم كأداة غير معلنة لتقييد الرأي، وإسكات النقد وتمرير العلل البنيوية بصمت مؤسسي ممنهج، فالمؤسسة لا تبنى بالصمت بل بالحوار، ولا تنهض بالتبعية بل بالشراكة، وحين يصبح الصمت ثقافة متجذرة لا موقفا عابرا، فهو انعكاس مباشر لغياب الهوية المؤسسية، حيث تقصى الأصوات ويستبدل التعبير الحر بولاء خافت، وتتحول البيئة من ساحة لتوليد الأفكار إلى مسرح للامتثال والانقياد.
لقد فرّق ابن خلدون بين الغنى والعمران، فالأول في رؤيته يقاس بما هو متاح، أما العمران فيقاس بما يحفز ويستثمر، إذ لا جدوى من وفرة الموارد ما لم تقترن بعقل حر قادر على تحويل الكم إلى قيمة، كما أن الكفاءة تفقد أثرها حين تكبل بقيود التراتبية العمياء والولاءات الضيقة، فالقائد الذي لا يرى إلا صوته يهدر سائر الأصوات من حوله، ولو كانت تلك الأصوات بحجم أمة، فكم من كفاءة رحلت لأن أحدا لم يصغ إليها، وكم من فكرة وئدت لأن التراتب لا يرحم، وكم من طاقة جمّدت لأن القرار لا يستند إلا إلى الولاء، إن خسارة المؤسسات لا تنبع غالبا من المنافسة الخارجية، بل من فشلها في الاحتفاظ بما تملك، وعجزها عن تحويل الطاقة الكامنة إلى أثر ملموس.
حين نتأمل مسار النهوض من الداخل ندرك أن الهوية المؤسسية والإرادة القيادية لا تستندان إلى فائض الموارد وحده، ولا تتقوضان بنقص الميزانيات فقط، بل غالبا ما تكمن الفاصلة الحاسمة بين مؤسسة تنمو وأخرى تتآكل في حضور الهوية وفعالية الإرادة، فليست الهوية المؤسسية شعارا يرفع ولا ملفا يستعرض، بل وعي جماعي يتغلغل في تفاصيل الممارسة اليومية، يتجلى في آلية اتخاذ القرار، ونبرة الخطاب الداخلي، ومنطق العلاقة بين القيادة والفريق.
الهوية هي ما يتبقى حين تطفأ الأضواء ويغيب الإعلام، ويطرح السؤال الجوهري: من نحن؟ ولماذا نفعل ما نفعل؟ وقد قال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]، وفسر ابن عاشور الشاكلة بأنها مركّب من النية والعقل والمنهج، وهي جوهر الهوية المؤسسية، إذ لا تتحرك المنظمات بما تكتبه في لوائحها، بل بما تؤمن به حقا، فإذا غاب الوضوح عن الهوية غاب الاتجاه، وإذا غابت الإرادة عن القيادة تعطل الجهاز العصبي للمؤسسة وذبل أثره.
وفي أدبيات الفكر التنظيمي المعاصر يبرز جيم كولينز في عمله التحولي (Good to Great)تمييزا جوهريا بين المؤسسات الجيدة وتلك التي ترتقي إلى مصاف العظمة، لا انطلاقا من وفرة الموارد بل من امتلاك ما يسميه بـالمنظومة العقدية الجوهرية (Core Ideology)؛ وهي مجموعة من القيم والمعتقدات الثابتة التي تشكل حجر الزاوية في البناء المؤسسي وتقام عليها استراتيجيات النمو والتوسع، غير أن هذه الهوية لا تصاغ في غرف الاجتماعات بل تتبلور تحت ضغط الأزمات، وهنا يتعين طرح أسئلة الكينونة المؤسسية: هل نحافظ على مبادئنا حين تضغطنا السوق؟ هل نثبت على الطريق ذاته عند تغير القيادات؟ أم نبدل المبادئ كما نبدل المخططات؟
إن الحديث عن الهوية المؤسسية لا يكتمل دون استحضار الإرادة القيادية؛ إذ لا نهضة بلا عقل يقود ولا اتساق بلا وعي يوجه، فالمؤسسة التي تغيب عنها القيادة الواعية كالجسد الذي فقد وعيه أو القارب الذي انقطع شراعه في عرض البحر، إن القيادة ليست امتيازا إداريا ولا منصبا اعتباريا، بل هي الكفاءة في تحويل القيم إلى ممارسة، والرؤية إلى اصطفاف جماعي يتجاوز الأفراد نحو الأثر. وقد لخص الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هذا المعنى بدقة حين قال: قيمة كل امرئٍ ما يحسن. فمتى عجزت القيادة عن الإحسان في فهم ذاتها كانت أعجز عن الإحسان في توجيه غيرها.
وللحديث تتمة في الجزء الثالث والأخير.



