السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

الحث على الاستقامة والاستمرار في عبادة الرحمن

عبدالله فودي كامارا

شهر رمضان هو شهر العبادة والاحتساب، شهر الرحمة والغفران، شهر التوبة والرضوان. نرى المسلمين في أنحاء العالم من بداية شهر رمضان إلى نهايته كيف يجتهدون في عبادة الرحمن، يذكرونه ويتضرّعون إليه في كل لحظة للغفران، ويبتعدون عن معصية الرحمن للنجاة من النيران.

لا يغفل عن حقيقة هذا الأمر أحد من عباد الرحمن في شهر رمضان، إلا أننا نلاحظ عكسه في كثير من المسلمين بعد انتهائه. فهل تقتصر هذه الخصال الحميدة على رمضان دون غيره من الشهور؟ لا والله، الأمر ليس كذلك كما يظنه البعض! فالاستقامة واجبة أيها العبد الكريم حتى يأتيك اليقين. لذلك أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال رجل: “يا رسول الله، مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك”، فقال: “قل آمنت بالله ثم استقم” (رواه مسلم). فلا ينفعك إيمانك بالله دون استقامة وثبات على طاعته سبحانه، لكي تجد الثواب عند ربك.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: 30]، وقال أيضًا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأحقاف: 13-14]. إياك أيها العبد المجتهد في رمضان أن تترك حسن عبادتك لرب الرحمن في غيره من الشهور.

فعليك بالاستمرار والمواظبة على العمل الصالح وحسن عبادة رب الرحمن، كالصلاة والذكر وقراءة القرآن والصدقات والكلام الطيب وغيرها من العبادات. فاعلم أن العمل الصالح محبوب لله سبحانه وتعالى، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سددوا وقاربوا، واعلموا أن لن يدخل أحدكم عمله الجنة، وأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” (رواه البخاري).

لذلك سنّ لنا النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، كما جاء في صحيح مسلم عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر” (رواه مسلم). فاعلم أن العبادة لا تنقضي حتى الموت، كما قال الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].

واعلم أن من علامات قبول حسناتك في رمضان مواظبتك على الحسنات بعده، ومن علامات ردّها الرجوع إلى الأعمال القبيحة، ومحبة الفساد، وسوء الأقوال. وقيل: “ذنب بعد توبة أقبح من سبعين ذنبًا قبلها”، لأن الرجوع إلى المعصية يدل على محبة القلب لها، ونعوذ بالله من الخذلان وسوء الأعمال!

فاحذر أيها الأخ أن تهدم ما بنيته في رمضان، واعلم أن رب رمضان هو رب شعبان وشوال وسائر الشهور. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].

قيل لبشر الحافي: “إن قومًا يتعبدون في رمضان ويجتهدون، فإذا انسلخ رمضان تركوا”، فقال: “بئس القوم، لا يعرفون الله إلا في رمضان؟” وقال الحسن البصري: “لا يكون لعمل المؤمن أجل دون الموت”، ثم قرأ: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99].

قال ابن رجب رحمه الله: “من استغفر بلسانه وقلبه معقود على المعصية، وعزمه أن يرجع إليها بعد الشهر ويعود، فصومه مردود وباب القبول عليه مسدود”. لذلك حذرنا الله سبحانه في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ﴾ [النحل: 92].

فيا أيها العبد العزيز، اشغل أوقاتك الفارغة بالعبادة، واستغفر الله واستعن به في كل أمورك، واستمر واستقم وثبت على طاعة ربك حتى يأتيك اليقين. واعلم أن الاستقامة في طاعة الله تتعلق بالأقوال والأفعال والقلب، كما جاء في موقع “سيكرز عربية للعلوم الشرعية”. فالاستقامة بالأقوال هي المداومة على كلمة التوحيد وقول الحق والنصح للعباد، وترك الأقوال المحرمة كالغيبة والنميمة. والاستقامة بالأفعال هي المداومة على العبادات والطاعات ومحاسن الأخلاق. والاستقامة بالقلب هي المداومة على صدق الإرادة وطهارة النفس من الكبر والعجب والرياء.

أسأل الله العلي العظيم أن يثبتنا على طاعته، ويصرفنا عن معصيته، ويوفقنا لما يرضيه عنا، ويجعلنا من الذين قالوا: “آمنا ثم استقاموا”. فإنه ولي ذلك والقادر عليه. وأسأله أن يتقبل منا صالح أعمالنا في رمضان وغيره، ويكفر عنا السيئات، ويجعل جنة الفردوس الأعلى مثوانا. آمين يا رب العالمين!

**المراجع والروابط المستخدمة:**
1. القرآن الكريم
2. الأحاديث النبوية (صحيح البخاري، صحيح مسلم، المسند)
3. ملتقى الخطباء (https://khutabaa.com)
4. جريدة الوطن (https://alwatan.com)
5. رابطة العلماء السوريين (https://www.islamsyria.com)
6. سيكرز عربية للعلوم الشرعية (https://ar.seekersguidance.org)

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights