حين تفقد الألقاب معناها
عائشة بنت هاشل البارحية
في زمنٍ تكاثرت فيه الألقاب، وتناسل فيه التوصيفُ بلا تمحيص، بتنا نرى المسميات تُمنَح كما تُمنح الامتيازات المؤقتة، تُلمِّع ظاهرًا لا يعكس بالضرورة جوهرًا، وصرنا نُصادفُ من يحمل لقبًا يفوق أثره، ويعلو على فعله، فينشأ انطباعٌ مزيّف، لا تصمدُ أمامه الحقيقة طويلًا.
المسميات، وإن كانت في ظاهرها تشريفًا، فقد تتحوّل إلى قيدٍ يَفصل بين المرء وحقيقته، وإلى جدارٍ زجاجيٍّ يُرى من خلاله ما لا يُلمَس: وهْمُ الهيبة، لا حضورُ الكفاءة.
فكم من منصبٍ علا بصاحبه، وكم من صاحبٍ علا بمنصبه… والفرق بين الاثنين كالفجوة بين الصوت والصدى.
لقد غدت المسميات في بعض البيئات ـ خاصّة المؤسسية منها ـ تُوزَّع بوصفها مكافآت معنوية، لا بوصفها توصيفات دقيقة. تُمنح لمن لا يملك من الرصيد إلا العلاقات، وتُسحب ممّن يملك العلم والخلق والإنجاز، إذا لم يكن في دائرة النفوذ؛ وبهذا يُخلق مناخٌ مشوَّش، تتراجع فيه معايير الشفافية، ويتآكل فيه صدقُ الأداء.
وقد أشار المفكر الإداري “جون كوتر” في كتابه Leading Change إلى أن:
“التغيير الحقيقي لا يحدث في مؤسسات تعيش في ظلال ألقاب لا يعكسها واقع الأداء.”مما يعكس أهمية الفصل بين المسمى وبين القيمة الحقيقية المترتبة على الفعل والإنجاز.
الأخطر من ذلك أن هذه المسميات ـ حين تُمنح بلا استحقاق ـ تُنتج مناخًا من التملُّق والرياء، فيغدو الصمت حكمة، والمجاملة ضرورة، والنقدُ مرفوضًا، لأنه قد يمسّ هالةً وهمية صُنعت حول شخصٍ لا يُجيد سوى حمل الاسم، لا أداء دوره.
في المجالس، الكل ينظر إلى صاحب المسمى نظرة إعجاب، وكأن اللقب شهادةُ كمال، وحين تتضح الفروق، وتظهر التناقضات بين القول والفعل، يصمت البعض مؤثرًا السلامة، ويتملق البعض طلبًا للمنفعة، وينسحب القلائل حفاظًا على صدقهم،وفي ذلك الانسحاب وحده، شهادةُ استقامة.
لكن في الجانب المقابل، ثمة أناسٌ لا يحتاجون إلى لقب لتعرفهم، إذ يكفي أن ترى أثرهم، وتسمع صدى أفعالهم، أولئك الذين حين يُنادَون بلقبٍ ما، لا يرفع الاسم قدرهم، بل هم من يرفعونه، تجدهم في الميدان قبل المكاتب، وفي الفعل قبل القول، وفي الإنجاز قبل التصفيق، إن غابوا، افتقدتهم النتائج لا الكراسي. وإذا حضروا، جاء معهم العمل لا الاستعراض.
هؤلاء، هم الذين تستحقهم المسميات، لا لأنهم سعوا إليها، بل لأنهم تجاوزوها، لا يحتاجون إلى من يشهد لهم، إذ أفعالهم تشهد، وضمائرهم شاهدة، إنهم قلة، نعم، ولكنهم الحضور الحقيقي حين يغيب الزيف.
وإن أردنا أن نلتمس مثالهم الصادق، وجدناهم في أولئك الذين يشتغلون بصمت، ويتركون لبصماتهم أن تتحدث عنهم، دون أن تُلهيهم الألقاب أو تستهويهم الأضواء، فهم الذين يبقون في ذاكرة الفعل، لا في أرشيف المسميات؛ لأن البصمة ـ على خلاف اللقب ـ لا تُمنَح، بل تُكتَسب، لا تُمنَح بقرار، بل تُبنى بجهدٍ واجتهاد.
وقد لخّص (ستيفن كوفي) هذه الفكرة في كتابه العادات السبع للأشخاص الأكثر فاعلية بقوله:
“القيادة لا تُقاس بالمسمى الوظيفي، بل بالتأثير والقدرة على الإلهام.”
إن الزمن كفيلٌ بكشف الزيف، وفرز الحقيقي من المستعار. فالمسميات تلمع حينًا، وتبهُت حين تُختبر، ولكن البصمة تبقى أثرًا خالدًا، لا تمحوه تقلبات المناصب، ولا تغيّره المجاملات. فكلُّ اسمٍ لا يحمله الفعل، سينطق به الناس زمنًا، ثم يستبدلونه باسمٍ آخر، أما الفعلُ الصادق، فإنه يفرض على الألسنة أن تذكر صاحبه، حتى لو لم يُعلَن.
فلنعد النظر في الألقاب التي نُطلقها، وفي المكانة التي نُضفيها على من لا يحملون إلا الهالة، دون الجوهر، ولنُكرم من يعمل، ولو لم يحمل اسمًا، فإن من يترك أثرًا، لا يحتاج إلى مسمّى.



