الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

المستقبل أمل والماضي ذكريات

  صالح بن سعيد الحمداني

في زحمة الأيام وتقلّبات الحياة التي لا تهدأ، يضيع الإنسان في دوامات التفكير بين ما فات وما سيأتي، بين ذكريات تلوح كأشباح الماضي وأمنيات لم تولد بعد في رحم الغد، وكثيرون أولئك الذين يطيلون الوقوف على أطلال الأمس يتصفحون دفاتر أخطائهم بوجع ويجلدون ذواتهم بلوم لا ينقطع، غير أن من تأمل الحياة بصدق يدرك أن أعظم ما نُعم به الإنسان هو قدرته على التطلع إلى الأمام إلى حيث توجد الفرص والبدايات الجديدة والقصص التي لم تُكتب بعد.

الندم ذلك الشعور القاتم لا يغيّر من وقائع مضت ولا يعيد لحظة ولا يصلح خطأ، لكنه يُثقل القلب ويقيد الروح ويجعل المرء رهينًا لزمن لم يعد له وجود، كم من أناس أضاعوا سنوات طويلة في محاكمات داخلية لا تنتهي؟ كم من حلم وُئد لأن صاحبه لم يتجاوز سقطة سابقة أو قرارًا اتخذه في لحظة ضعف.

الحقيقة أن الماضي بكل ما فيه لا يمكن تغييره، لكن الحاضر بين أيدينا والمستقبل ينتظرنا، فمن الحكمة أن نختار الوجهة التي تُبقي أرواحنا حيّة.

أن تنظر للمستقبل بأمل لا يعني أن تنكر ألم الماضي، ولا أن تتجاهل دروسه، بل يعني أن تقرّ بما حدث وتنهض من جديد، مسلحًا بالوعي والرغبة في النمو، فكل تجربة قاسية هي في حقيقتها درس، وكل عثرة فرصة للتعلم وكل خسارة مدخل إلى مكسب آخر قد لا نراه وقتها لكنه يظهر لنا لاحقًا بوضوح مدهش.

كم من علاقة انتهت فظن صاحبها أن الحياة توقفت عندها ثم اكتشف أن خروجه منها كان بداية لنضج حقيقي، وكم من فرصة ضاعت لكنها فتحت له بابًا أوسع لم يكن يراه، هذه ليست قصصًا للتسلية أو عبارات للمواساة بل حقائق تتكرر يوميًا في حياة كل شخص عرف كيف يُحسن إدارة نظرته للأمور.

لا تندم على صديق خذلك ولا على قريب جفاك ولا على حب لم يكتمل ولا على وظيفة لم تنجح ولا على فرصة لم تُكتب لك، فكل هذه ليست نهايات بل محطات.

الحياة ليست خطًا مستقيمًا بل دروب ملتوية يصعب أحيانًا فهم سبب الالتفاف فيها لكننا إن أصررنا على المسير، سنصل إلى الوجهة التي نريد وربما إلى ما هو أجمل منها.

الأمل ليس سذاجة ولا تهرّبًا من الواقع كما يظن البعض بل هو أعلى مراتب القوة النفسية والعقلية، أن تأمل خيرًا في الغد رغم الصعاب هو إيمان عميق بأن الخير باقٍ، وأن النور يأتي بعد الظلام؟ فالأمل لا يلغي الألم لكنه يمنحه معنى، لا يمنع العثرات لكنه يجعلنا ننهض منها أسرع وأقوى.

الأمل هو الوقود الذي نحيا به في عالم متقلب لا يستقر على حال، هو ما يجعلنا نبتسم رغم الخسارات ونسعى رغم التحديات ونحب رغم الجراح، هو ما يجعل قلب الأم ينتظر ابنها الغائب وما يدفع الشاب للسعي وراء أحلامه وما يُبقي الإنسان قادرًا على الاستمرار.

فلنسأل أنفسنا بصدق ما الفائدة من اجترار لحظاتٍ انتهت؟ لماذا نعيد مشاهد الألم في أذهاننا، وكأننا نصنع منها مسلسلًا لا ينتهي؟ أليس من الأجدر أن نستثمر في لحظة الحاضر ونزرع فيها بذور أملٍ نحصده غدًا؟ لنجعل من أخطاء الماضي مدرستنا لا سجننا، ولنعامل أنفسنا بالرحمة التي نرجوها من غيرنا.

المستقبل لا يُصنع بالتذمر بل بالتصميم، لا يُبنى بالحسرة بل بالأمل، وكل إنسان يحمل في داخله القدرة على النهوض مهما تعثّر، السر ليس في ألا نسقط بل في أن ننهض كل مرة أقوى من قبل.

إن أعظم قرار يمكن للإنسان أن يتخذه هو أن يختار النظر إلى الأمام، أن يقرر – رغم كل شيء – أن القادم أفضل، وأن في طيات الغيب خيرًا كثيرًا ما دمنا نحسن الظن بالله، ونبذل ما نستطيع، فليكن شعارنا في كل صباح: “أن تنظر للمستقبل بأمل، خير لك من أن تنظر للماضي بالندم.” وليكن هذا الشعار مصدر إلهام نردده في أعماقنا كلما تعثّرت خطواتنا أو أظلمت الأيام من حولنا فالأمل حياة، والحياة لا تستحق أن تُعاش إلا بأمل.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights