الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

الضوء في آخر النفق الجزء ( 1 / 3 )

د. طالب بن خليفة الهطالي

قيل إن العتمة الحقيقية ليست هي التي تحجب الرؤية، بل تلك التي تخدر الإحساس وتخنق البصيرة في روتين الألفة حتى تفقد المؤسسة قدرتها على التمييز بين السير والتكرار بين الحركة والحياة، فحين تستسلم الإدارة للاعتياد حينها تتحول من أداة تطوير إلى أداة إنتاج للجمود ويصبح الصمت المؤسسي نوعا من الاتفاق الضمني على ألا نطرح الأسئلة التي تجرح الواجهة ولهذا، فإن أخطر ما تواجهه البُنى التنظيمية ليس غياب الخطة وإنما غياب الجرأة على مراجعة ما نعتقد أنه خطة، وفي هذا السياق تبين لنا الآية الكريمة: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: 18]، إن هؤلاء ليسوا مجرد محرومين من الحواس بل عاجزين عن ممارسة فضيلة التراجع الواعي، لأن الرجوع هنا لا يعني الانكفاء بل امتلاك الشجاعة الأخلاقية للتصحيح وهي شجاعة تغيب كثيراً في بيئات إدارية تفضل التجميل على التشخيص والرضا العام على التغيير العميق.
قال الأعراب قديما “من لم ينظر في العاقبة سَقَط في الهلكة”، وهي قاعدة تعيد توجيه البوصلة نحو النتائج لا النوايا ونحو المآلات لا المظاهر كذلك، أشار الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين إلى أن “العمى عمى القلب لا عمى العين”، ويتبين لنا هنا أن الخطورة لا تكمن في الجهل الظاهر بل في اليقين الخادع، في تلك القناعات الثابتة التي لا تتزحزح رغم تغير المعطيات، وهذا ما أشار إليه المفكر الإداري كريس آرجريس (Chris Argyris) في نظريته حول الجهل المزدوج، حين وصف المؤسسات التي تكرر الأخطاء والتي تعيد تدوير فرضياتها في حلقة مغلقة بسبب عدم مراجعتها لها، وهنا يكمن الخلل البنيوي في التفكير التنظيمي، لهذا لا يُكتب الإصلاح الحقيقي ما لم يُسبق بصدق النظر في المرايا، فالمؤسسة التي لا ترى نفقها لا يمكنها أن تبصر ضوءها ولا أن تقترب منه وقد قال المعري:
وأعمى يرى خيرا وأبصرُ لا يرى :: وأضْرى من الفُحْل الكريم العقيمُ
ليس من السهل أن تعترف مؤسسة ما بأنها في مأزق؛ فالإقرار بالتيه الإداري أصعب من التيه نفسه، لا سيّما حين يزيِّن لها الأداء الظاهري قبح الخلل البنيوي، ففي كثير من الأحيان تعيش المؤسسات داخل نفق طويل لا تراه؛ لأن العتمة أصبحت بالنسبة لها نظاما معتادا ويعود سبب ذلك أن حين يستقر النظام الإداري في منطقة الراحة تتبدد الحاجة إلى ضوء التغيير ويغدو كل انحراف مجرد استثناء وكل قصور مجرد ظرف طارئ هكذا تبدأ مسيرة السقوط البطيء من غير ضجيج ولا اعتراف.
كثير من المنظمات تصمّم أنظمتها داخليا بطريقة تجعلها عاجزة ذاتيا عن رؤية اختلالاتها، ويشير بيتر سينغ (Peter Senge) إلى ما يسمى بـالأنظمة المتعلمة ذاتيا على الاستمرار في الخطأ (Learning Disabilities in Organizations) ، حيث تؤدي ثقافة الخوف والتراتبية المغلقة وانعدام التغذية الراجعة الصادقة إلى بناء جدران داخلية تمنع الحقيقة من الوصول، وبمعنى آخر إن التنظيم المفرط قد يصنع عتمة أكثر رسوخا من الفوضى، يقول الإمام الشاطبي: من لم ينظر في المآل فهو ناقص الفقه، وهذه قاعدة إدارية خالدة؛ لأن فقه المآل لا يعني فقط النظر في النتائج بل في أثر البنية التنظيمية على مستقبل الأداء، فهل المؤسسة تسير إلى الأمام أم تدور حول نفسها بآليات تبدو فعالة ولكنها خاوية من الروح؟
ويمكن القول أن الإدارة لم تخلق لتعبد بل لتستخدم، هي أداة لا معبود ووسيلة لا غاية وهيكل يسند المعنى لا يغيّبه، ولكن في كثير من المنظمات تتسلل السلطة الإدارية شيئا فشيئا لتتحول من كونها وسيلة للتنظيم إلى غاية خفية في ذاتها، فحين يغرم القائد بـسلطة الكرسي، ويقيس النجاح بمدى قدرته على التحكم لا على الإلهام يصبح التنظيم شبكة من الأوامر لا من القيم ويتحول الموظفون من شركاء في المعنى إلى منفذين آليين للأوامر،قال الله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]، وهي آية تأسيسية في ضبط معنى السلطة: إنها تكليف لا تشريف وأمانة لا غنيمة ووظيفة مرتبطة بالقيم لا بالمكانة، فحين تفقد الإدارة صلتها بالقيم العليا، تختزل في أنظمة بيروقراطية تتقن إدارة التفاصيل وتفشل في إنتاج الرؤية.
يُشير الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو (Michel Foucault) إلى أن السلطة لا تُمارس فقط من فوق بل تُبنى في الخطاب اليومي، في اللغة وفي القوانين وفي العادات، وفي ضوء هذا المفهوم تصبح الإدارة سلطة ناعمة تعيد تشكيل وعي العاملين وتؤطر سلوكهم بما يخدم النظام القائم لا الحقيقة ولذا، فالسؤال ليس فقط من يملك القرار؟ بل من يصوغ المعنى، ومن يحدد ما هو النجاح أصلاً؟ وإذا ما قارنا ما تقدم بالفكر الإداري الإسلامي، نجد عند الفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة تصورا دقيقا للقيادة حيث لا تكون الإدارة هدفا بل أداة لإقامة السعادة الجماعية، فالإدارة الصالحة عنده لا تقف عند حفظ النظام بل تسعى لتحقيق الخير بوصفه غاية وجود النظام أصلا.
يقال : إن من جعله الناس سُلما كسروا ظهره وهم يصعدون، وهو ما يحدث حين يتحول القائد إلى غاية في ذاته فيستهلك طاقة المؤسسة في بناء صورته لا في تحقيق رسالتها، ويتضح هنا أن الإدارة ليست شكلا من أشكال التسلط المشروع بل إطار أخلاقي منظم يفترض أن يخدم الإنسان قبل أن يطوعه.

للموضوع تتمة في الجزء الثاني.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights