قصة .. الصديقان ( الفصل السادس )

فايل المطاعني
دخل الاثنان إلى بهو القصر، حيث كانت السيدة صفية في انتظارهم. أعدت الشاي المغربي الشهير مع الحلويات اللذيذة. دار حديث ودي بينهما، وكان عمر يروي طرائف ومواقف تعرض لها كمحام بعد أن سألته منى عن تجاربه في مهنته. ثم، بينما كان يهم بالاستئذان للمغادرة لأنه شعر بالمرهق ويريد أن يستمتع بإجازته ويبتعد قليلاً عن أجواء العمل والمحاكم، قالت له منى بابتسامة:
“حسنًا، هذه المرة سوف نسمح لك بالمغادرة.”
ثم أضافت، وآثار الإعجاب بدأت تظهر في عينيها:
“ما رأيك أن أكون دليلك السياحي؟”
وأكملت، بابتسامة لطيفة:
“منذ أن وصلت، لم أغادر جدران البيت. وهذه فرصة أنك موجود هنا، نذهب في جولة في أنحاء المغرب. سنكون ثنائي رائع.”
قالت كلماتها بنبرة دافئة جعلت قلبه ينبض بسرعة، وكانت عيناها تقول الكثير أكثر من مجرد كلمات. لم يستطيع عمر مقاومة العرض السخي، فكيف له أن يرفض؟ تسللت نسمات إعجاب بشخصيتها الجميلة والمتواضعة. هي تمتلك كل مقومات الجمال المغربي، مغلفة بالدلع الخليجي، وبذوق بديع يكاد لا يوجد له مثيل.
ردّ عليها قائلاً:
“حسنًا، أنا موافق، أيتها المرشدة السياحية.”
نهض من مقعده ليصافح السيدة صفية منصرفًا، ثم عاد إلى بيته، والأفكار تحوم في رأسه. يحاول أن يصفف و يرتب أفكاره. فتنته هذه الصبية ذات الأربعة والعشرين ربيعًا لدرجة أنه نسي أن يسألها عن موعد رحلتهما!
شعر بشعور جميل يتسلل إليه على استحياء، لكنه فجأة شعر بالحزن والغم يحلان مكان الفرح والسرور. جاء اتصال من صديقه محمد ليعلمه بأنه قادم إليه. وعاش لحظات من الحيرة والقلق، متسائلًا: “ما هذه الأقدار التي أتت بي إلى هنا؟”
كانت هذه المرة الأولى التي يشعر فيها عمر بالحزن لوجود صديقه، وأحس بضيق كبير. بدأ ينظر من خلال النافذة وقلبه يكاد يتفطر ألماً، وهو يتذكر ملامح منى.
بدأت الشمس ترسل أشعتها على استحياء، معلنة قدوم يوم جديد، وسُمِع صوت هاتفه المحمول. وقبل أن يجيب، أخذ يزمجر غاضبًا:
“من هذا المزعج الذي لا عمل له سوى إزعاج الناس، والاتصال بهم في ساعات الفجر؟”
لكن عندما رأى اسم المتصل، تغيرت ملامح وجهه في الحال. كانت منى هي المتصلة.
منى: “صباح الخير يا عمر، أنا أعرف أنك تنهض باكرًا.”
عمر: (وقد أخذ قلبه ينبض بشدة)
“نعم، صحيح… ويكاد قلبي يخرج من بين أضلعي فرحًا، لا أستطيع أن أقول شيئًا معكِ، أنتم أقوياء في المخابرات!”
ثم توقف قليلًا قبل أن يضيف:
“في إطار الحديث عن المخابرات، مخبرك السري سيصل غدًا. لقد اتصل بي ليخبرني بموعد قدومه.”
منى: (صوتها مضطرب قليلًا)
“أعلم، فقد اتصل بي ليخبرني أنه قادم إلى المغرب ليطمئن على صديقه… الذي هو أنت. وقال إنه سيزورك، ولم يقل لي شيئًا آخر، لم يقل إنه جاء ليراني أو ليقول شيئًا جميلًا. لم يخبرني بما يسعدني كأنثى.”
شعر عمر بالقلق يحاصره، لكنه حاول أن يخفف عنها قائلاً:
“لا عليكِ، يا أميرة، السالفة وما فيها أنه لم يصارحك بحبه، محمد شاب طيب وشهم، وإن شاء الله هذه الزيارة سوف تسعدك وتفرح قلبك.”
ثم أضاف مازحًا:
“والآن، هل اتصلت بي فقط لتقول لي صباح الخير أم لكي تحدثيني عن صديقي؟”
ضحكت منى بعفوية، وقالت:
“لا، اليوم سنذهب إلى أكادير ونقضي اليوم كله هناك.”
ابتسم عمر وقال، وبحركة مسرحية:
“اسمحي لي، أيتها الفاتنة، أن أكون مرشدك اليوم. لن نذهب إلى أكادير، بل سنذهب إلى مدينة القنيطرة، وتحديدًا إلى المرسى. هناك يمكننا أن نأكل سمكًا مشويًا. ماذا عن ذلك؟”
ثم أضاف بحماس:
“وفي طريقنا، سنعرج إلى قرية صغيرة اسمها شراردة بني حسن، في شمال القنيطرة. المنظر عند غروب الشمس هناك رائع جدًا، سيكون جميلًا للغاية!”
منى: (بدلع)
“أممم، حسناً، لا توجد امرأة في العالم ترفض ضيافة محام، وليس أي محام! إنه عمر بن عبدالله، أيها السادة!”
ثم ضحكت وقالت:
“يعني سأقضي اليوم بسعادة وفرح.”
ثم سكتت للحظة، وقالت بسرعة وكأن الكلمات تتدفق منها دون أن تشعر:
“والدتي أعجبت كثيرًا بشخصيتك. قالت إنك شخص محترم، أسرة متفتحة، شاب راقٍ.”
ثم أضافت، وكأنها تسترجع كلمات والدتها في ذهول:
“أمي صعب يعجبها شاب، وقالت عنك كلامًا طيبًا. لم تسمح لي بالخروج مع أحد قبلك، ربما لأننا في المغرب بعيدين عن أعين المتطفلين وأصحاب القيل والقال.”
ثم توقفت فجأة وقالت، والقلوب تكاد تخفق في سماعة الهاتف:
“الساعة الثامنة سننطلق. كن مستعدًا!”
وقبل أن تغلق الهاتف، قالت، وفي صوتها الكثير من الدلع والإعجاب:
“من أجلِك، من بخير.”
خفق قلب عمر بشدة، وارتجفت يداه. ظل ممسكًا بهاتفه، رغم أن المحادثة انتهت، وأسئلة حائرة دارت في ذهنه:
“ما هذه المشاعر التي داهمتني فجأة؟ ماذا تريد مني منى؟ ولماذا لم تهتم كثيرًا حين علمت بموعد وصول محمد إلى المغرب؟”
يتبع…


