بلدة العراقي بولاية عبري عبر التاريخ
سليمان بن سعيد بن زهران العبري
إن بلدة العراقي بولاية عبري لها تاريخ عريق منذ القدم؛ فتسميتها العراقي نظراً لعراقتها وقدمها بمحافظة الظاهرة، وتسمى أرض السر لما بها من أسرار ومكانة تاريخية وموقع جغرافي مميز وأهمية سياسية عبر الزمن.
فلو استرجعنا التاريخ القديم قبل الإسلام، فترة حكم مالك بن فهم، حيث استقر في بداية الأمر إقامة العبريين في وادي بالقرب من قلهات العاصمة آنذاك لعُمان، ويسمى وادي العبريين، وكما يبدو بعد فترة من الزمن قرروا الانتقال واستقروا في محافظتي الداخلية والظاهرة، وبعد مغادرتهم الوادي غير اسمه إلى وادي العربيين كما هو معروف الآن، لكنه في الأصل اسمه وادي العبريين، فمعظم القبائل العمانية القديمة سميت بعض الأودية باسمها؛ مثل وادي بني غافر، وادي الحواسنة، وادي بني هني، وادي بني خروص، وهكذا.
للأسف الشديد أن المصادر شحيحة للتاريخ العماني القديم ولكن نسرد ما وصل إلينا من خلال بعض المؤرخين والعلماء وما هو معلوم في أرض الواقع، بالإضافة إلى التاريخ الشفهي من الأجداد.
والتعريف هنا عن بلدة العراقي عبر التاريخ وكما معلوم بعدما استقر العبريين في الظاهرة كان مركزهم الأساسي العراقي وعبري وأجزاء من الغبي، وبمرور الزمن وفي فترة من الفترات كانت الغبي هي عاصمة الظاهرة حتى فترة حكم دولتي النباهنة واليعاربة، ويستدل بذلك من كتاب سيرة الإمام المؤسس لدولة اليعاربة الإمام ناصر بن مرشد اليعربي أنه كان قاصدا الظاهرة، وكانت وجهته الغبي حتى تم السيطرة عليها تحت حكمه؛ وبالتالي بما أن الغبي تحت حكمه فإن الظاهرة ككل بنفس الإطار، وبلدة العراقي هي امتداد للغبي كبلدة واحدة لكن فلج الغبي يسقي الغبي وتوابعها بداية من شريعته بجوار برج الغبي الذي لا يزال شامخا حتى اليوم، وفلج العراقي لسقي العراقي وتوابعها غربا وجنوبا حتى العوابي الزراعية على مقربة من مديرية الإسكان حاليا التي كانت أملاكا خاصة للشيخ إبراهيم بن راشد العبري، وهذا الشيخ كان مقر إقامته في بيته المسمى بيت إبراهيم شرقي ماله المسمى الخضراء، وكان زعيما وثريا وله مكانة كبيرة لدى الحكام ومرجعية لأهالي الظاهرة وله بيتا داخل حصن عبري وبيتا داخل حصن العراقي كمقر له وأسرته ولاستقبال الناس، وهو جد الأسرة المعروفة حاليا المشايخ أولاد زهران؛ حيث أن الشيخ إبراهيم بن راشد العبري هو والد محمد أبو زهران وليس لمحمد أخ؛ لهذا عرفت الأسرة أولاد زهران، وأما الشيخ إبراهيم بن راشد العبري له أخ اسمه الشيخ مسعود بن راشد العبري، استقر في الداخلية بلدة الحمراء، فكما يبدو هناك اتفاق بين الأخوين أحدهما أميرا في الداخلية والثاني في الظاهرة، واستمر هذا حتى بداية حكم دولة البوسعيد، وبمرور الزمن انتقل الشيخ زهران بن محمد بن إبراهيم العبري من الظاهرة من بلدة العراقي إلى الداخلية بلدة الحمراء، حتى تولى هو وأبناؤه المسؤولية والأمارة حتى يومنا هذا، وبقي جزء من هذه الأسرة في العراقي حتى يومنا هذا، وكان أبرزهم من هذه الأسرة في العراقي الشيخ العلامة القاضي محمد بن سالم بن بدر بن محمد بن زهران بن إبراهيم بن راشد العبري أحد الأحفاد للجد الأكبر المذكور سابقا الشيخ إبراهيم بن راشد العبري.
كما هو معلوم لكل بلدة بهذه الأهمية يكون لها مركز، ومركز بلدة العراقي بولاية عبري هو حصن العراقي الشامخ ضمن الحصون الكبيرة التاريخية على مستوى السلطنة، وبجواره شريعة فلج العراقي ذلك النهر الجاري الذي يضرب به المثل والذي كان يسقي العراقي كضواحي وعوابي خارجية، ومن قوته كان أحياناً يقسم إلى قسمين، وبعد شريعة العراقي يمر الجبة وهي موقع تحويل الفلج لاتجاهين ويسمى سقي سنيسل والاتجاه الثاني سقي حابس وهذا بجوار مسجد الجامع الأثري القديم جامع العراقي، وبعد ذلك ينقسم من سقي حابس إلى سقي الخضراء باتجاه أطراف البلد جنوبا، أما سقي حابس باتجاه أطراف البلد غربا.
وفي مركز بلدة العراقي أيضا يقع سوق العراقي الذي كان يعد من أقوى وأكبر الأسواق، ويتميز هذا السوق أن قوته ونشاطه يوميا وقت الظهيرة بين صلاتي الظهر والعصر مراعاة لعودة من يعملون في المزارع وغيرها، أما سوق عبري نشاطه الفترة الصباحية، وبهذا النظام يستغل الباعة فرصة ثانية للبيع إن لم يبيعوا صباحا في سوق عبري ينتقلون وقت الظهيرة لسوق العراقي.
إن لكل بلدة قديمة حارة أو حارات سكنية مبنية من الطين أو الصاروج، وغالبا تكون بيوت كل حارة متلاصقة مع بعضها بعضا؛ فمثلا حارات بلدة العراقي قديما حارة الصاروج وتقع بالقرب من شريعة فلج العراقي وحصن العراقي وحارة الهوامل بالقرب أيضا من شريعة فلج العراقي وحارة الداخل وحارة ورى تقعان بالقرب من سوق العراقي. سميت حارة ورى أي خلف بمعنى خلف السوق وفي الطرف الجنوبي للعراقي حارة البلوش، وكل هذه الحارات لا زالت آثار منازلها الطينية قائمة حتى اليوم.
كما يوجد صباح بالقرب من ضاحية البيت وضاحية أولاد راشد، اسمه صباح بجاد، وكما ذكر أن هناك شخصا اسمه بجاد العبري في فترة نهاية دولة النبهانة وبداية دولة اليعاربة، وقد استعان به الإمام ناصر بن مرشد اليعربي وعينه واليا على ينقل، ربما يكون هو والتسمية معروفة لليوم صباح بجاد.
كما توجد مساجد قديمة أثرية ببلدة العراقي ولكن للأسف تم تحديثها وإعادة بناؤها مثل جامع العراقي وكان جامعا كبيرا بأعمدة إسطوانية جميلة، وبالقرب منه مدرسة القرآن الكريم ومسجد السوق الذي هو الأقرب للسوق ويصلي فيه الناس خاصة الظهر والعصر عدد كبير، ومسجد حابس أو مسجد ضاحية أولاد راشد الذي كان في بداية عصر النهضة العمانية المباركة مدرسة للقرآن الكريم وهو جزء من الضاحية جنوبي ساقية الفلج، ومسجد أحمد ومسجد الصدر ومسجد القرطة، وغيرها من المساجد القديمة في جميع نواحي بلدة العراقي العريقة.
لقد كانت العراقي ولا زالت تحتضن القادمين إليها طلبا للرزق من مختلف مناطق السلطنة واستقر بها الكثيرين لطيب أهلها وكرمهم، وتمتد شرقا حتى منطقة الطيب الزراعية، والطيب الصناعية وغربا حتى جبل الصخبري وجنوبا حتى إحرامات مدينة الغبي الأثرية العاصمة السياسية لذلك الزمن، وشمالا حتى بلدة العينين والتي هي امتداد للعراقي عبر التاريخ ومعروفة بفلجها الذي يروي الضواحي حتى محاذاة سوق العراقي، وأن الطريق الذي يربط الجهة الغربية للعراقي بسوق العراقي مرورا بحارة ورى هو الطريق الفاصل بين سقي العينين وسقي العراقي.
لقد أصبحت اليوم بلدة العراقي مدينة كبيرة بنهضة عمرانية واسعة ومناطق سكنية حولها ومراكز تجارية كثيرة وأنشطة مختلفة؛ كل ذلك بفضل همة وتعاون جميع الأهالي وسماحتهم وترحيبهم، ونقول لهم
“يا ضيفنا لو زرتنا
لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل”.
حفظ الله سلطنة عُمان وأهلها وسلطانها، وألف بين قلوبهم، وأبعد عنهم كل بلاء.



