الأوطان.. أعظم النعم على الإنسان
خلف بن سليمان البحري
حين يُمعن الإنسان النظر رحلته في هذه الحياة، يجد أن هناك نعمًا تتجدد قيمتها كل يوم، كلما أدرك عمق أثرها في وجوده. ومن بين تلك النعم، تبقى نعمة الانتماء إلى وطن هي الأبهى والأسمى. فالوطن ليس محض ترابٍ ومبانٍ، بل هو ذاكرةٌ تُحفر في الوجدان، وهو الأمان الذي يُحيط بنا حين نخطو خطواتنا في دروب الحياة.
وفي خطبته المضيئة أمام المقام السامي لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم، حفظه الله ورعاه، ذكّر معالي الشيخ وزير الأوقاف والشؤون الدينية بهذه الحقيقة العظيمة، حين أشار إلى أن من تمام شكر النعم أن ندرك فضل الله علينا إذ منحنا وطنًا آمنًا مستقرًا، تُظللنا فيه قيم المحبة والتسامح والعطاء. كلمات حملت في طيّاتها رسالة عميقة: أن الوفاء للوطن لا يُختزل في الشعور، بل يُترجم في العمل الصادق.
وحقًّا، ليس الانتماء إلى الوطن عاطفة عابرة تظهر في المناسبات، بل هو التزام دائم يسري في السلوك اليومي. هو أمانةٌ تُحمل في العمل، في التعامل مع الآخرين، في الحفاظ على مقدّرات الوطن، وفي احترام قيمه وهُويته. كل موقف نعيشه، كل كلمة ننطق بها، كل مبادرة نُقدم عليها، إما أن تُعزّز هذا الانتماء أو تُفرّغه من معناه.
وقد جاء في كتاب الله عزّ وجلّ تأكيدٌ بليغٌ على قيمة الأمن والاستقرار:
“فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.” [سورة قريش: 3-4]
فالسكينة التي يعيشها الإنسان في وطنه هي نعمة تستحق أن تُصان، وتُثمر بالشكر والعمل.
وفي كل مناسبة تجمع أبناء عُمان، في الميادين المختلفة، ترى في الوجوه ذلك الاعتزاز الهادئ بالوطن. هو شعور يُبنى مع الزمن، مع التجارب، مع ما يلمسه الإنسان من خيرٍ في مجتمعه. وما أجمل أن يتحوّل هذا الاعتزاز إلى طاقة إيجابية تسهم في تعزيز اللحمة الوطنية، وترسّخ ثقافة العمل المشترك من أجل بناء وطنٍ يُفخر به في كل المحافل.
ولا يليق بنا ونحن نحيا تحت راية هذا الوطن العزيز، في ظل قيادة حكيمة تنظر إلى المستقبل بعين الأمل والعمل، أن نكون إلّا شركاء في مسيرة العطاء. فالمعلم حين يُنير العقول، والطبيب حين يُداوي الأجساد، والمهندس حين يُشيّد المعالم، والكاتب حين يُعبّر بصدق، والموظف حين يُنجز بإخلاص، جميعهم يسهمون في رفعة هذا الوطن الغالي.
من هنا، تأتي أهمية غرس هذا الوعي في الأجيال القادمة؛ أن حب الوطن ليس مجرد ترديد أناشيد أو رفع رايات، بل هو بناءٌ متجدد، وفاءٌ في القول والعمل، وحمايةٌ لكل ما يُعلي شأن الوطن. فالمجتمع الذي يُدرك أفراده هذه الحقيقة، هو مجتمع قادر على النهوض دومًا، وقادر على أن يُمسك بزمام مستقبله بثقة وثبات.
ولأن عُماننا الحبيبة قد منحتنا هذا الشعور العميق بالانتماء والكرامة، فإننا مدعوّون اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نكون جديرين بهذه النعمة. أن نجعل في كل خطوة نخطوها شاهدًا على إخلاصنا لهذا الوطن، وأن نحفظ الأمانة التي بين أيدينا، ليظل هذا الوطن كما عهدناه: واحة أمنٍ واستقرار، ومنارة قيمٍ وإنسانية.
هكذا يبقى الوطن، في كل زمان ومكان، أعظم النعم على الإنسان. وحُبُّه مسؤولية تُزرع في القلب، وتُصقل بالعقل، وتُثمر في العمل. فلنكن جميعًا على قدر هذه النعمة العظيمة.



