ميزانُ الصحبة… ومرآةُ الحكمة
محمد بن العبد مسن
على قارعة العمر، وبين منعطفات الأيام، تلوح لنا وجوهٌ كأنها قد خرجت لتوّها من كتاب التجربة، وأخرى لا تزال في أول السطر. وما بين طيشٍ يتدثّر بثوب الحداثة، وتيهٍ يتزين بأبهة المنصب أو سكرة المال، يضيع المرء إن لم يُحسن اختيار رفاقه.
فلا ترافق حديثَ السنّ إن لم يُنمّ الزمان فكره، فإن الشباب الذي لم ينضجه الوعي، لا يفرّق بين المجد والتهوّر، ولا بين الطريق والهاوية. يركض خلف العواصف، وينتشي بصوت الريح، حتى إذا هدأت، وجد نفسه في أرضٍ قاحلة لا ظلّ فيها ولا ماء.
ولا ترافق حديثَ الغِنى، إن لم يتهذب بالرضا والتواضع، فإن المال إذا سبق الخُلق، أورث القلب قسوة، والعين عمى، واللسان زهوًا أجوف. صاحب المال البطر لا يرى الناس إلا درجات تحت قدميه، فكيف يراك ندًّا أو صديقًا؟
ولا ترافق حديثَ القيادة، إن لم يُجرّب التواضع قبل أن يجلس على كرسي السلطة، فإن من تذوّق لذة التسلط قبل أن يذوق مرارة المسؤولية، لا يرى في الآخرين سوى بيادق يحركها كما يشاء.
ولا تعاند قديمَ المهنة، فإن اليد التي أمضت العمر وهي تصوغ الحرفة بصبر وصدق، تعرف في تفاصيلها ما لا يعرفه كتاب ولا مدرسة. ولا تُجادل قديم المعرفة، فالعلم لا يُقاس بما قُرئ في عام، بل بما فُهم وتُدُبّر في دهر. ولا تُناطح صاحبَ الخبرة، فخطاه مرّت من هنا قبل أن تخطو أولى خطواتك، وذاكرته تحفظ من العِبر ما لم تكتبه أقلام الحكماء.
وإياك أن تطعن في نزيه الشرف، ففي الطاهرين نفوس لا تُشترى، وأخلاق لا تُكسر، وسيرٌ أنقى من ضوء القمر. من عاش عفيف اليد، نقي السمع، طاهر اللسان، فطعنُك فيه لن يُنقص من مقامه، بل يكشف عور حقدك، ويُسقط قناع وجهك.
ولا تجامل قليلَ العقل، فإن المجاملة في حضرة الغفلة خيانة للحكمة. ولا تصاحب قليلَ الخبرة، فإن المُبتدئ المتعجّل يَجُرك إلى حُفرٍ لم ترها، ويقودك بجهله إلى تيه لا يُرجى الخلاص منه. ولا تُكثر من مُجالسة قليل الخير، فإن الفقر في الجود ينتقل كعدوى، يُطفئ نور النفس، ويُبلّد الحسّ.
اصحب صاحب الفكر الراجح، وإن كان في أقصى الأرض. وجالس ذوي الفطرة السليمة، وإن قلّ عددهم. ورافق من يخاف الله، ويزن الناس بالعدل، لا بالمصلحة. فإن الصحبة مرآة، إن كانت صافية أظهرت وجهك، وإن كانت معكرة شوّهت ملامحك.
نحن لا نُعرف فقط بأسمائنا، بل بمن جلسنا إليهم، ومن مشينا معهم، ومن وثقنا بهم. فاختر صحبتك كما تختار مصيرك، فإنها ـ ولا شك ـ من أعظم القرارات التي تبني أو تهدم، تُعلّي أو تُردي.
فاخترْ بحكمة، وسرْ على مهل، فإن الطيبين لا يتكاثرون، ولكنهم إذا صادقوا… وفَوا.



