مقالات صحفية

من الجنّور إلى العقبة.. نهاية لحكاية عذبة

عبدالله بن سعيد بن حبيب الجرداني

(رثاء سردي تأبينا للمرحوم عدي بن سيف الجرداني تغمّده الله بواسع رحمته).

في حلّة “الجنّور” كما يطلق عليها أهالي قرية عرقي؛ تنسج ذاكرة الطفولة خيوطها حول رجل عهدناه يسكن هناك، وبجانب مسكنه يقع اختراع الأجداد العتيق “الجامود”، الذي يوزّع حصص المياه، شريان الحياة لنخيل القرية ومزارعها الممتدة.

كنا أطفالًا صغارًا، تملؤنا البهجة عندما نقترب من الجامود، نراقب “البيادير” في انتظارهم الهادئ لدورهم في ريّ “أموالهم”، نتراقص تحت شمس الظهيرة غير آبهين بحرّها؛ لأننا نعلم أن ظلّ ذلك البيت سيضمّنا كأم حنون، ونعلم كذلك أن أيادي صاحب البيت وأبناءه تمتد نحونا بكؤوس الماء الباردة من نافذة المطبخ، تسكب علينا رحمةً من لهيب الشمس، وشفقةً من قلوبهم الطيبة.

وفي طريقنا إلى شجرة “الأمبا” أو “اللمباه” بلهجة أهل “عرقي”، عند مسجد “الشجرة”، نسلك طريق “الجنّور” الذي يمرّ بمنزله، فقد كان محطة للكرم والارتواء، نشرب ونتبسّم، ثم ننطلق متسابقين لجمع حبات “الأمبا” عندما تعصف بها الرياح، ننتظر لساعات طويلة تحتها، وعندما لا يوجد أحد من كبار السن نتسلّق الشجرة خلسة ونقطف ما نستطيع قطفه؛ لتنتهي المغامرة عادة بسقوط أحدنا من أعلى الشجرة، وتارة بـ “ضرابة جماعية” لنعود في اليوم التالي كأن شيئًا لم يكن، بنفس اللهفة ونفس البراءة.

كبرنا قليلا، وكبرت الذكريات معنا، وهناك، حيث “السدرة” الكبيرة، كانت تتجلّى روح القرية بأكملها، إذ يحتشد على ظلّها رجال القرية والصبية في المناسبات المختلفة، فتُذبح البهائم، وتُشعل المراجل، وتُعدّ الولائم. وتعلو أنغام “الكاسر” و”الرحماني”، فترتدّ أصداؤها في جبل “القبلة”، فيتمايل “المهويّون” طربًا، يؤدّون “الرزحة” و”العازي” وهم يرسمون لوحةً من الفرح والفخر.

وهناك، في زوايا المشهد ذاته، يلوح وجه “عدي بن سيف” فقيدنا الغالي، -رحمه الله- الذي نقشته الأيام في قلوبنا، تبحث عنه العيون، فحضوره بات جزءًا لا يتجزأ في مناسبات الفرح، وغيابه الآن… صمتٌ لا يُحتمل.

ذلك الشاعر “المهوي” الذي لا تضيع القوافي منه، فقد كان الشعر له وطنًا، والكلمة رفيقة لدربه، لم يكن يكتب القصيدة، بل كانت القصيدة تُولد فيه، يسمعها الناس فتطرق أبواب ذاكرتهم، وتمضي في أرواحهم كأنها تعرفهم منذ زمن، أمّا حين تمسك يداه الطبل في رزحة “القصافي”، فذاك مشهد لا يُنسى، فالطبل ينطق بين يديه، يقصّ حكايا الأرض، ويروي عطش الزمن بإيقاع يحرك القلوب قبل الأقدام.

سأحدثكم عن مشاركاته الشعرية، فالشعر في حياته لم يكن هوايةً عابرة، بل كان جزءًا من كيانه، ونداءً يسري في دمه كما تسري الحياة في العروق، كان لا يغيب عن مشهدٍ يعلي راية الوطن، وكلما أقبلت المناسبات الوطنية على مستوى ولاية قريات، كان اسمه حاضرًا في الطليعة، يلبّي النداء ويحشد جماعته، يشدّ بعضهم بعضًا كما يشدّ النور أطراف الفجر.

حصن “قريات”، مخرج العيد في “صياء الحدرية”، ميادين الفرح وساحات الاحتفالات، كلها شاهدة على نداء قصائده التي كانت تمزج الفخر بالانتماء للوطن والولاء للسلطان. ولم يكتفِ بالعطاء لنفسه، بل امتدّ أثره إلى أبناء قريته، يشجّعهم، يمدّ لهم اليد، ويفتح أمامهم دروب القصيدة، كان يحثّهم على المشاركة، وأن يكونوا أوفياء لكلمة الحقّ، ولإيقاع الوطن في صدورهم، وللجيل الصاعد نصيب من بوح شعره، ففي مختلف المناسبات يردد طلاب مدرسة “معاذ بن جبل” أشعاره.

وفي أواخر الثمانينات وبداية التسعينيات، تجاوز صوته حدود الولاية، ليُحلّق عبر أثير الإعلام العماني، مشاركًا في البرنامج التلفزيوني “مجالس الشعراء” الذي قدّمه الشاعر والإعلامي محمد القرطوبي، كما سجّل حضوره في البرامج الإذاعية التي تعني بالشعر والشعراء والفنون الشعبية، لاسيما تلك التي قدّمها المذيع عيد بن حارب المشيفري.

تمر السنين وتنتقل الحكاية العذبة إلى حلّة “العقبة”، الحارة الجديدة لقرية “عرقي”، كان أول من بنى منزلا فيها، خطط لمستقبل أبنائه وضمن لهم حياة هانئة على أرض رحبة واسعة، انتقل إلى منزله الجديد منذ ثلاثين عاما ونيف.

في منزله الجديد لم ينس حفرة الشواء، أرادها حفرة كبيرة واسعة تُشعل الفرح كقلبه الواسع الذي أعتاد أن يتّسع للناس كلهم، يستقبلهم بلا سؤال ولا موعد، فكانت فسيحة تُوقد فيها نار المحبة في كل عيد، يوفد إليها محبيه، يحملون أطباقهم ومحبتهم، يصطفّون حول ناره كما يُصطفّون في صلاة العيد، لقد أرادها حفرة لا تُشعل للّحم، بل تُوقد للصلة، وذاك ما كان.

وفي حلة “العقبة”، لم يكن سعيه في الحياة قاصرًا على بيته وأسرته، بل كان عابرًا لحدود ذاته، نابضًا بحب الخير. بنى مسجدًا رفع فيه الأذان، جعله الله شاهدًا له لا عليه، وشيّد مغسلةً للأموات، احتضنت جسده الطاهر حين ارتحل.

لم يتوقف عطاؤه عند ذلك، بل أجهد نفسه ليقيم مجلسًا عامًا “سبلة”، لتكون مجمعًا للكلمة الطيبة. رفع بنيانها حجرًا حجرًا، لكن المرض باغته قبل أن تكتمل، إلى جانب ظروفه المادية، وكأن الحياة استعجلته، تاركة خلفه مشروعًا من نور، ينتظر من يُتممه.

المبنى يقف شامخا في انتظار من يكمله، لا ينقصه إلا لمسات أخيرة يُعيد له الحياة، ومن هنا، أوجه ندائي لمحبيه، وأنا أول المحبيّن، بأن نتكاتف لإتمام هذا البنيان، وأن نجعله مدرسة لتعليم القرآن الكريم، ليكون صدقةً جارية في صحيفته، وشاهدًا له لا عليه، حين يقف بين يدي الله، وقد عُمّرت موازين حسناته بما أحب الله وأحب عباده. فلنُكمِل دربه بما يرضي الله، ولتكن تلك اللبِنات الباقية في بناء “السبلة” أمانة في أعناقنا، نضعها حبًّا ووفاءً، وطلبًا لما عند الله من أجرٍ لا يفنى.

رحل عنّا وجهٌ ألفناه في مناسبات الأفراح والأتراح، وملأ حضورُه المجالس بهجةً ووقارًا، إذ كيف ننسى صوته الشجي، حين كانت الأرواح تخشع لسرده العذب في “البرزنجي” كلما هلّت علينا ذكرى المولد النبوي، فنراه واقفًا بهيبته، تفيض نبراته إيمانًا وتوقيرًا؟
وفي مجالس العزاء، كان صوته يسبق الدموع، يقرأ دعاء الميت في اليوم الثالث، فتجد من حوله وقد اغرورقت أعينهم، بين خشوعٍ ودعاء، أما في لحظات الفرح، فقد كان شاهدًا ومباركًا، يعقد قران العرسان، فتُعقد معهم القلوب على المحبة والصفاء، فبرحيله، غاب صوتٌ من أصوات الألفة، ووجهاً من وجوه البركة، لكنه سيبقى في الذاكرة، حيًّا في القلوب.

ماذا أقول؟ وماذا أكتب؟ وكيف للكلمات أن تسع طيف رجلٍ كانت سيرته أوسع من اللغة، وأبهى من الوصف؟، رجلٌ لا يُذكر مقام إلا وكان له فيه حضور، لا يُعقد رأي إلا وكان صوته فيه فصلُ الخطاب.
كان صاحب فكر رصين، يزن الكلمة قبل أن تخرج، فإذا تحدّث، أنصت الجميع لا لهيبته، بل لحكمةٍ تنساب حروفها كالماء الزلال، وحديثه -وإن حمل الوقار- لم يخلُ يومًا من الطرفة التي تكسر الحواجز، وتزرع البسمة حتى في أحلك اللحظات. ابتسامته عنوان قلبه الكبير، لم تُفارقه، حتى في مرضه.

اجتماعيّ بطبعه، محبّ للناس بلا تكلّف، مألوفٌ لكل قلب كأنّ الأرواح تعرفه قبل الأجساد. كان إذا حضر، حضر الفرح معه، وإذا تحدّث، انفرجت العقول، وإذا سُئل، بان في جوابه حُسن التدبير، وسعة الخبرة، وعمق الحكمة.

كان حاضنًا للفرح في صدور أهله، حاملًا همّ الجماعة على كتفيه، لا يكلّ ولا يملّ من السعي في الخير، وإصلاح ذات البين، وبثّ روح الألفة فيمن حوله. يتركك وقد خفّ عنك حملك، وكأنك كنت على موعد مع سحابة عابرة تمطرك بالطمأنينة.

وفي ذاكرة كلّ من عرفه، نبضٌ باقٍ لا يزول، وأثرٌ لا يُمحى، وحديثٌ لا يُملّ، واسمٌ إن غاب جسده، بقي حيًّا في القلوب، يتردّدِ على الألسنة بحنينٍ لا ينطفئ.
فما أعظم الفقد، وما أقسى الرحيل…
لكننا نُسلّم بقضاء الله، ونحتسبه عنده من الصالحين، المصلحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

رحمك الله يا أبا موسى رحمةً واسعة، وجعل مثواك الجنة، وأدام طيب ذكرك فينا ما دامت القلوب تنبض. وعزاؤنا في أبنائك “موسى وناصر ومالك ويحيى وغيث”، فهم امتدادٌ لخطاك، وسراجٌ من بعدك، يزرعون من طيبتك في كل درب، وينثرون من مروءتك في وجوه الناس، إن رحلت جسدًا، فما زال عبير فعلك يملأ الأمكنة، وصدى حِكمتك يهمس في المجالس، وحنانك متّكأً في كل بيت عرفك.

نم قرير العين، فقد خلفت رجالًا من نور، يسيرون على خطاك بثبات، يحملون إرثك في قلوبهم، كما تُحمل الأمانات، فبهم تتواصل الحياة، وكأنك ما غبت!

(هكذا كانت الحكاية العذبة بين الجنّور والعقبة)

بقلم: المحبُّ لك، الوفي لذكراك، الفاقد لدفء حديثك، الذاكر لمواقفك النبيلة، والراجي لك رحمةٍ من الرحمن الرحيم تُضيء لك مرقدك كما أضأت لنا أيامنا.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights