نقطة أول السطر .. ذاكرة على الرصيف .. حين بكى الحجر ونطق الدم

عادل بن حميد الجامعي
جاء ترامب..
كمن يحمل في جيبه خارطةً مشقوقة، ويمشي بها فوق قلوبنا لا فوق الأرض.
كمن عاد لا ليستأنف؛ بل ليذكّر، أن الجرح لم يندمل، وأن القيح ما زال ساخنًا تحت ضمادات المؤتمرات.
نزل من طائرته كجبل من دخان، وكانت أنفاس الأرض تختنق، ترتجف الشوارع، وتنظر العيون إلى السماء لا لتستبشر؛ بل لتتأكد أن الطائرات لم تُخطئ العنوان من جديد. في لحظة نزوله، سمعت غزّة صرير أبوابها الحديدية، سمعت السنوار يشحذ الليل بين ضلوعه، ويقرأ على هدير البحر سورة الحديد، وفي قلبه برقٌ من نار، يُمسك خيوط الهدوء كما يُمسك الراهب جمر النبوة. أما أبو عبيدة، فكان صوته ينبعث في صدور المقاومين كصفير رياحٍ في نفقٍ مظلم، صوته لا يُقال، بل يُحمل، صوته لا يُسمع، بل يُورث. كأنما يقول للريح: “اصعدي”، وللصواريخ: “تزهبي”، وللتاريخ: “دوّن بعظامنا لا بحبرك”.
وفي تلك اللحظة..
كان طفل في خان يونس ينهض من تحت ركامٍ طريّ، يشهق التراب، ويتفقد أصبعه الصغيرة، فلا يجدها.. ثم ينظر إلى السماء- لا ليبكي – بل ليسأل الله: لماذا هذا الزائر لا يرى؟ لماذا يضحك وجهه، وأنا بلا أم، بلا بيت، بلا ضوء؟
جاء ترامب،
وفي استقباله صمتٌ رسميٌ عظيم، أحنى له بعضهم قامته، ولبس الآخر حُلّة العمى، وتحوّلت المواقف إلى بيانات باهتة، تصرّح أن “الزيارة مهمة”، لكنها لم تقل لأجل من! ولا على حساب من! في السرّ، كانت بعض العواصم تخيط لترامب قميصًا من حرير المجاملة، فيما كانت غزّة تخيط أكفان أطفالها بإبرة الحصار.
وفي خضمّ هذه التمثيلية الجوفاء، كان في القدس شيخٌ يجلس تحت زيتونةٍ عتيقة،
يقول لحفيدته: “هذا الذي يزورهم اليوم، هو الذي شطب اسمك من خارطة العودة، لكننا سنكتبه من جديد.. على حجارة العيد القادم”.
ويا حكّام العرب،
أما شعرتم بخزّ الندم؟
حين صافحتم اليد التي وقّعت على تهويد القدس؟
أما سمعتم صفير السنوار في جنح الليل وهو يكتب بالعبرية المقلوبة:
“لا زوال لحركة تعيش في صدر كل طفل؟”
يا عرب..
لسنا ضد الزيارات، لكننا ضد أن تتحول الذاكرة إلى حصالة، كلما جاء زائر، فتحناها، وسحبنا منها مبدأ أو دمعة أو خريطة. نحن أمة، لا تُقاس بقوة جيوشها، بل بقدرة طفلها أن يحلم، رغم دخان الطائرات.
أما ترامب،
فهو ظلّ من زمن الشوك، جاء ومضى، لكن بعده، ستبدأ الأرض في تحريك نفسها،
ستنبت من تحت السجادة الخزامية وردة سوداء، تشمّها امرأة من دير البلح،
فتصرخ: “الله أكبر، ما زال فينا من يتذكّر”.



