كسر الخواطر .. الجرح الذي لا يراه أحد

صالح بن سعيد الحمداني
كسر الخواطر يشبه الخطأ الطبي، قد يُداوى باعتذار لكنه لا يُعيد العافية هو جرح صامت لا يُرى بالعين ولا يُلمس باليد لكنه يُحس بالقلب ويعيش في الروح طويلاً، قد يبدو للآخرين شيئًا بسيطًا “زلة لسان”، أو “نقطة وراحت”، ولكن في داخل الإنسان تبقى هذه الكلمات حادة كالسكاكين تترك ندبة لا تزول.
الخواطر تُكسر حين تُخذل في لحظة كنت فيها بأمس الحاجة لمن يصدقك أو يحتضنك أو يؤمن بك، تُكسر حين يُقلل أحدهم من شأنك، أو يُقصي وجودك أو يتحدث عنك بما ليس فيك، تُكسر حين تضع ثقتك في شخص، ويكافئك بالجفاء أو الخيانة، وفي كل هذه اللحظات لا يكون الألم في الموقف فقط بل في الشخص الذي صدر منه الموقف.
الاعتذار في كثير من الأحيان يُخفف لكنه لا يشفي تمامًا كمن ارتكب خطأ طبيًا جسيمًا قد يُقدّم اعتذاره وقد تبرر له الظروف ولكن الجسد المتضرر يبقى يحمل أثر الخطأ للأبد، وكذلك القلب حين يُكسر خاطره يحمل الوجع معه في كل لحظة قادمة ويصبح أكثر حذرًا وربما أقل ثقة أو أقل حماسة للعطاء.
ومن الجراح ما لا تُشفيه الأيام، لأن الألم لا يقاس بطول الزمن بل بعمق الأثر، هناك كلمات تنكسر داخلنا كأنها زلازل تغير مواقع الأشياء في القلب وتعيد ترتيب العلاقات، وهناك مواقف تُغلق أبوابًا كانت مشرعة وتُطفئ مشاعر كانت مشتعلة ولا ننسى، أن لحظة واحدة قد تُبدل مكان أحدهم في قلبك من الأمان إلى الحذر ومن القرب إلى الغياب.
القلوب الكبيرة لا تعني أن تُستهان مشاعرها بعض الناس يظن أن طيبة القلب تعني التسامح الدائم، والغفران بلا حدود وكأن من يملك قلبًا كبيرًا لا يتأذى، الحقيقة أن القلوب الكبيرة تتألم أكثر، لأنها تحب بصدق وتعطي بلا حساب وتُراعي مشاعر الآخرين حتى على حساب نفسها، لكنها عندما تُكسر يكون الألم عميقًا لأن الكسر جاء ممن أحبّته بصدق وآمنت به دون حدود.
كسر الخواطر لا يُشبه أي خطأ عابر، هو فعل يترك أثرًا طويل الأمد قد يتعايش الإنسان معه ولكنه لا ينساه، وقد يُسامح لكنه لا يعود كما كان، لهذا فلنُحسن الحديث ولننتبه لتصرفاتنا ولنتذكر أن الكلمة الطيبة صدقة وأن اللطف لا يُكلف شيئًا لكنه قد يمنع وجعًا كبيرًا.
في الختام فلنحترم مشاعر من حولنا ولنتجنب كسر خواطرهم، فما نراه بسيطًا قد يكون عندهم عاصفة وإذا أخطأنا فلنعتذر، ولكن بصدق ووعي لا لمجرد إسكات الألم بل لمحاولة حقيقية لمد يد جبر الخاطر لأن القلوب مهما كانت كبيرة لا تنسى من أوجعها ولا تعود كما كانت قبل الكسر.



