لا تلتفت خلفك .. وإلى متى؟
مهرة بنت محمد اليحيائية
الفصل الأول:
في تلك الليلة المظلمة، سمعت صراخ صديقي ياسر، كأنه رأى جحيماً أمامه. ركضت نحوه بأقصى سرعة، والريح تتسابق معي. صرخ بصوت مرتجف: “لا تنظر خلفك، وإلى مت…” ثم ساد الصمت، لم أعد أسمع صوته. ماذا حدث له؟ ولماذا اختفى؟
كنت أجلس على أريكة المجلس، أقرأ عن عالم الجن، ذلك العالم المليء بالغموض والذي طالما شدني فضولي نحوه. اتصلت بياسر وطلبت منه أن يأتي لمشاهدة المباراة. وافق، وقال إنه في الطريق.
جهزت الفشار وبعض الأطعمة، وبعد دقائق سمعت طرق الباب. كان ياسر. جلسنا نشاهد المباراة، مرّت ساعة، ثم التفتُّ لأحضِر شيئًا من الطعام، فانقطعت الكهرباء فجأة، وتبعها صوت غريب…
“من في البيت يا ياسر؟” سألته. قال: “لا أحد غيري.”
“فمن أين تأتي هذه الأصوات؟” رددت.
“لا أدري!” أجاب.
نزلنا إلى القبو بسرعة، وهناك ظهر شيء داكن السواد، عملاق، جذب ياسر إلى الأرض. صرخت، ناديت باسمه، ولم أسمع سوى أنفاس غريبة. ركضت نحو مصدر الكهرباء، فرأيت الظل يقترب مني وقال بصوت غليظ: “لا تنظر خلفك، وإلى متى؟”
أغمي عليّ، وبعد لحظات، سمعت همسات في أذني. ثم قال: “يا خالد، هيا بنا نغادر.” كنت كأنني في عالم آخر…
دخلنا إلى البيت مجددًا. وفجأة، أغلق باب الغرفة من تلقاء نفسه. رأينا ضوءًا أحمر وسط الصالة، تحيط به شموع، وعبارة مكتوبة بالدم: “لا تنظر خلفك، وإلى متى؟” وعندما استدرنا، كان هناك شيء خلفنا… شيء خطف ياسر وهو يصرخ: “لااااااا!”
الفصل الثاني:
لم أستطع التحرك. تجمدت ساقاي، وقلبي كاد ينفجر. حاولت قراءة آية الكرسي، لكن لساني كان ثقيلاً. بعد أن جمعت قواي، ركضت إلى القبو، وهناك وجدت ياسر ممددًا على الأرض فاقدًا الوعي، يتمتم بلغة غريبة لم أفهمها.
اتصلت بصديقي علي، الذي يسكن في جبل طارق. أخبرته بما حدث، فنصحني بأن آتي إليه، حيث يعرف عرّافين يتعاملون مع الجن. ترددت، لكن لم يكن أمامي خيار سوى محاولة إنقاذ صديقي.
ذهبنا إلى بيت أحد العرافين، وكان البيت مريبًا تفوح منه رائحة كريهة. استقبلنا العراف بصوته الأجش، وأخبرني بأن ياسر “محبوس” في عالمهم، وتلبسه شيطان. قال إننا لا يجب أن نستمع له، لأنه مخادع.
بدأ العراف بطقوسه، وقرأ من القرآن. فجأة، قام ياسر، كان جسده يرتجف، وسائل أبيض يخرج من فمه، وعيناه بلون أسود مظلم، يصرخ ويقول: “لن تغلبني أيها العراف، أنا أقوى منك!” وعندما سأله العراف لماذا دخل جسد ياسر، قال: “لأنه يستمع للموسيقى كل مساء، وقد جذبني إليه.”
ثم انطفأت الأنوار، وسقط صديقي علي مغشيًا عليه. تعالت الضحكات والصرخات. قال العراف إنه سيضطر لاستخدام طريقة أخرى… لم أكن أتوقع ما سيفعله لاحقًا…
الفصل الثالث:
قال العراف: “يا خالد، ستذهب أنت إلى عالمهم لإنقاذ ياسر.” لم أصدق ما سمعت، لكنه بدأ بطقوسه لفتح البوابة. وعندما فُتحت، دخلت.
واجهت عاصفة رملية ورياح حمراء. ثم رأيت شخصًا يلوح لي. اقتربت، فعرفني بنفسه: “أنا سريال، سأساعدك. لنذهب إلى قرية جنّار.”
وصلنا إلى القرية، وكان سكانها مخلوقات بشعة. قال لي: “لا تتحدث مع أحد حتى لا يكتشفوا أنك بشر.” دخلنا، ثم دلني إلى مكان صغير فيه ثلاث حجرات. قال: “ابحث عن صديقك هنا.”
وجدت ولاعة في جيبي، وأشعلتها. ناديت ياسر بصوت خافت، حتى سمعته يرد: “أنا هنا، خالد.” دخلت عليه، كان مليئًا بالجروح والدماء. احتضنته وبكيت. حاولت الخروج، لكن لم أجد سريال. وقفت حائرًا، ثم سمعت صوتًا خشنًا يقول: “أمسكوه، إنه بشر!”
ركضت بأقصى ما لدي، ورأيت البوابة. كان سريال يشير إليّ، تصدى للمخلوقات التي تطاردنا، حتى عبرنا البوابة وعدنا إلى بيت العراف.
قال العراف: “لا تقلقوا، سريال قتلهم ولن يؤذوه مرة أخرى.” أُغلقت البوابة، وشكرناه. بعد شهرين، بدأ ياسر يسمع العبارة من جديد: “لا تنظر خلفك، وإلى متى؟” وفي النهاية، التفت… وقُتل على يد الكائن الداكن الغامض.


