العقل بين التكريم الإلهي والتحديات المعاصرة
د. طالب بن خليفة الهطالي
منذ أن خلق الله الإنسان، وهبه نعمة العقل التي ميزته عن سائر المخلوقات، فالعقل هو النعمة التي بها يدرك الإنسان الخير من الشر، ويميز بين الصواب والخطأ، ويخطط لمستقبله بوعي وإدراك، وقد ورد ذكر العقل في القرآن الكريم بألفاظ متعددة مثل “الحِجر” و”اللُّب” و”النهى”، في إشارة إلى دوره في ضبط النفس وتوجيه الإنسان نحو الطريق القويم. يقول الله تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ (الفجر: 5)، أي لصاحب العقل الرشيد وقد أشار المفسرون إلى أن العقل يُسمى “حجرا” لأنه يحجز صاحبه عن ارتكاب ما لا يليق به، ويُسمى “لبًّا” لأنه جوهر العقل الخالص الذي يميز الإنسان عن سائر المخلوقات، فالعقل هو أداة التفكر، وهو المصدر الرئيس للإدراك والمعرفة.
لم يكن العقل يوما مجرد أداة للتفكر، بل كان عبر العصور حجر الزاوية الذي قام عليه بناء الحضارات، ومفتاح التقدم الذي فتح آفاقه أمام الأمم؛ لذلك، قامت الأمم العظيمة على أكتاف العقول النيّرة التي استثمرت في العلوم والمعرفة، ومن بين هذه الحضارات كانت الحضارة الإسلامية التي بلغت أوج تألقها حينما اعتنى المسلمون بالعقل؛ فأنشؤوا علوما أثّرت في البشرية جمعاء في مجالات الطب والفلك والهندسة والفلسفة، وبرزت أسماء لامعة مثل ابن سينا، والرازي، والخوارزمي، وابن الهيثم، وغيرهم ممن نقلوا الإنسانية إلى مستويات أرقى من الفهم والإدراك، ولم يكن نجاح هؤلاء العلماء صدفة، بل كان ثمرة عقل متفتح للمعرفة يعتمد على منهج علمي دقيق وروح البحث المستمر مدعوم بمجتمع يقدر العلم ويعلي من شأن الفكر والعقل، وبذلك أسهموا في تشكيل منظومة فكرية لازالت تؤثر في مسارات العلم والفكر حتى يومنا هذا.
ومع التغيرات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم يواجه العقل تحديات لم تكن موجودة في العصور السابقة، فبينما أتاح العصر الرقمي إمكانيات غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة؛ إلا أنه في الوقت ذاته فتح الأبواب أمام محاولات منظمة لتوجيه العقول والسيطرة عليها كالإعلام الموجه والمعلومات الزائفة، إضافة إلى الاستهلاك المفرط للمحتوى الترفيهي، كلها أدوات مدروسة تسعى إلى تقويض قدرة العقل النقدي وتحويل الإنسان إلى متلقٍ سلبي للأفكار، بعيدا عن التفكير المستقل والتحليل الواعي، فقد أصبح الإلهاء أداة قوية لصرف الأفراد عن القضايا الجوهرية، بحيث يتم إشغال العقول بتفاصيل سطحية بينما تُتخذ القرارات المصيرية بعيدا عن إدراك الشعوب. كذلك، فإن التشكيك الدائم في الحقائق والبديهيات أدى إلى حالة من الاضطراب الفكري، حيث يجد الإنسان نفسه في قبضة الحيرة والضياع، فيتوه بين متناقضات الفكر والتشكيك، وفي ظل هذه البيئة يصبح التفكير النقدي والتحليل الواعي هما السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق.
وللحفاظ على العقل في ظل هذه التحديات، لا بد من تبني منهجية تقوم على الوعي المستمر والتفكر العميق، فطلب العلم لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته لتحقيق شهادات أو مناصب، بل يجب أن يصبح وسيلة لفهم أعمق للعالم وتنمية الفكر النقدي القادر على مواجهة التحديات.إن التفكير النقدي السليم يجب أن يصبح عادة يمارسها الإنسان يوميا، فيسائل المعلومات التي يتلقاها، ويفرق بين الحقيقة والدعاية، وبين المعلومة الصادقة والتضليل المقصود، ومن الضروري والمهم مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية، ليس فقط كمتلقين لها، بل كفاعلين في صناعتها وتوجيهها لخدمة الإنسانية، فالعقل لا يجب أن يكون أداة استهلاك فقط، بل ينبغي أن يكون محركا للإبداع والإنتاج.
إن العقل الواعي هو السيف الذي يقطع حبال الانقياد الأعمى، وهو درع يحمي الإنسان من الوقوع في شراك التلاعب والضلال، والمجتمعات التي تعتني بعقول أبنائها وتستثمر فيها هي التي تشهد نهضة حقيقية وتقدما مستداما، بينما تلك التي تهمل العقول أو تحاول تقييدها، فإنها تسير نحو التخلف والانحسار، وبين التكريم الإلهي والتحديات المعاصرة، يبقى الخيار للإنسان: إما أن يكون سيد قراراته، يقود عقله نحو النور والمعرفة، أو أن يكون تابعا تُسيره تيارات الفكر الموجه دون وعي أو إدراك، ومن هنا تصبح العقول المبدعة والمستنيرة هي القوة المحورية التي تُشيد المجتمعات وتبني الحضارات مما يجعل مسؤولية الحفاظ عليها من أولويات العصر.



