الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
قصص وروايات

قصة قصيرة الجريمة (الجزء التاسع)

خلفان بن علي بن خميس الرواحي

يجلس الملازم “قيس” على كرسيه وأمامه ملف القضية، ليس ملف القضية التي يحقق فيها وإنما القضية القديمة التي وقعت. طلبه -الملف- من الأرشيف بمكتب التحقيقات وبدأ يبحث فيه محاولا ربط الأحداث مع بعضها بعضا، تلك الفتاة الصغيرة “جنان” التي أخذ حياتها سائق طائش وأصر على الهروب من موقع الحادث وتم حفظ القضية وتقيدها ضد مجهول، واليوم هناك بارقة أمل أن يكون ذلك الغموض يزول وتظهر الحقيقة جلية، وفي نفسه يقول: دائما الحق لا يضيع وليس هناك جريمة كاملة، لا بد من نقطة ضعف تكشفها وأن طالت المدة.
ينهض الملازم “قيس” من مكتب ويتجه إلى مكتب ضابط المركز حتى يطلعه على التطورات الجديدة في القضية والخطوات التي سوف تكون بعد هذه المرحلة. الكل ينتظر حل قضية السيارة واكتشاف القاتل وتحقيق العدالة. دخل على الضابط وهو يحمل ملف القضية. سيدي، ويؤدي التحية العسكرية. الضابط: تفضل ملازم “قيس” أرى الفرحة على وجهك. يبتسم ويقول له: صحيح سيدي الحمد لله هناك أمور جديدة ظهرت لنا تخدم القضية وقريبا سنصل إلى الفاعل. ينهض الضابط وينظر للملازم “قيس”: نحن من البداية كانت ثقتنا بك كبيرة وجميع الضباط هنا أو بالقيادة مؤمنين بقدراتك على حل القضية.
الملازم “قيس” يرفع رأسه وكله فخر: شكرا لكم سيدي على هذه الثقة. يقدم له الملف؛ سيدي هذا ملف القضية والتطورات التي حدثت، فقد توصلنا لمجموعة من الأسماء كانوا على علاقة بالشخص، وهناك شبهات حول أحدهم بأنه هو من قام بالعملية. يأخذ الضابط الملف ويقلب فيه، وبعد فترة يعيده إلى الملازم؛ ويقول له: جهود مقدرة ملازم “قيس”، ما هي خطوتك القادمة؟ الملازم: سوف نقول باستعداء الأشخاص المذكورة أسماءهم في القائمة الموجودة بالملف وإجراء التحقيقات معهم كل على حدة. الضابط: طيب، ابدأ في هذا من اليوم ولا تتأخر، نريد أن ننهي القضية خلال الأيام القليلة القادمة. ينهض الملازم “قيس” ويأخذ الملف من عند الضابط ويستأذن في الخروج، وقبل ذلك يقول له: أمرك سيدي، اليوم سوف أعقد اجتماعا مع أفراد التحريات والتحقيقات نطلعهم على المستجدات والخطوات القادمة.
عندما وصل “غسان” و”عبير” للبيت كانا شخصين آخرين؛ فقد عادا والفرحة معهما، دخلا البيت وكل واحد منهما يمسك يد الثاني، وفي غفلة من “عبير” رفع “غسان” يدها وأطبق عليها قبلة طويلة أحست بها وكل جسهما أقشعر من تلك القبلة وكأنه أول مرة يقبل يدها. نظرت إليه مبتسمة، وقالت له: أتعرف كم أحبك؟ قبلها مرة أخرى، وقال: نعم، أكثر من حبك لنفسك. الغريب أن “عبير” نست كل شيء وكذلك “غسان” وكأن الموضوع الذي كان يقلق راحتهما مجرد وهم وغير موجود وهما وحدهما وضعاه في ذهنهما، وفي لحظة حب تلاشى وعادت الحياة إلى ما كانت عليه وأفضل.
بدأ أهل القرية في نسيان قصة السيارة التي جرفها الوادي والأحداث التي رافقتها ولم يهتم أحد بمتابعة الأحداث وإلى أي شيء وصلت الشرطة؛ لأن الأمر لا يعنيهم كون أن صاحب السيارة ليس من قريتهم، وكان حدث عابر أعطى المكان شيء من الحركة والنشاط. اليوم بعد ذلك الهدوء أحد الأفراد العاملين داخل مركز الشرطة سرب بعض الأخبار التي تدور في غرف التحقيقات هناك.
“أنور” أحد المراسلين بمركز الشرطة نقل معلومة لصديقه خلال حديثهما المعتاد تحت شجرة المانجو وقرب ساقية الفلج، كانا جالسين والكلام يجر بعضه بعض، وفي سقطة لسان قال “أنور” لصديقه: أخبرك شيئا، ولكن لا تبلغ به أحدا. هز صديقه رأسه بالموافقة وأكد عليه بأن لن يخبر أحدا بما سوف يقوله “أنور”، نظر “أنور” حوله خوفا أن يسمع أحد ما سوف يصرح به، وعندما اطمئن قلبه أقترب من صديقه، وقال له: سمعت في مركز الشرطة بأنهم قد اقتربوا من الإمساك بالشخص الذي قتل صاحب السيارة التي جرفها الوادي. شد هذا الكلام الصديق، وقال “لأنور”: هل أنت متأكد من هذا الكلام؟ رد عليه: هذا ما سمعته. لحظات وينهض صديق “أنور” من مكانه ويستأذن في الذهاب. وقف “أنور” وقال له: إلى أين؟ الصديق: لا شيء فقط تذكرت أمرا لا بد من القيام به، مع السلامة.
انتشر الخبر في القرية كانتشار النار في الهشيم، فما لبث “أنور” يصل بيته إلا قابلته أمه بالخبر وكأنها كانت جالسة على يمينه وهو ينقل الخبر إلى صديقه، وطبعا وصل إليها وقد تم إضافة أشياء وأحداث جديدة، ندم “أنور” ندما شديدا على الفعلة التي قام بها والخطأ الكبير الذي أرتكبه وساوره الخوف من ضباطه في المركز؛ فقد يعاقب على تسريب معلومات سرية من مركز الشرطة ووقع في حيرة كيف يعالج هذا الأمر قبل أن يصل إليهم فما كان أمامه إلا الاتصال بالملازم “قيس” معتذرا عن ذلك. الملازم “قيس” استقبل مكالمة “أنور” بصدر رحب وقال له: لا عليك “أنور” قد يكون هذا في صالح القضية فالمجرم الحقيقي يطمئن أكثر وهذا يساعدنا للوصول إليه. فرح “أنور” بكلام الملازم “قيس” وهدأت نفسه.
بعد أن خرج الملازم “قيس” من مكتب ضابط المركز، طلب المحققين ورجال التحريات الذين معه في القضية لحضور اجتماع عاجل وسريع بغرفة الاجتماعات وأمر الجميع بالحضور لأمر هام لم يوضحه لهم، دخل هو القاعة يحمل رزمة من الملفات في يديه وجلس في صدر الطاولة، وبدأ يقلب تلك الملفات وكأنه يبحث عن شيئا ما قبل دخول المدعوين للاجتماع يخاطب نفسه: قريبا بإذن الله تعالى سوف نغلق هذه الملفات وتحمل إلى غرفة المحفوظات بالمركز ونكشف خيوط هذه القضية التي أخذت منا وقت طويلا لم نتعود عليه من قبل.
يبدأ أفراد التحقيقات والتحريات في الدخول إلى القاعة ليأخذوا أماكنهم فيها، وبعد اكتمال العدد يرحب الملازم “قيس” بالجميع ويشكرهم على الجهود المبذولة في جمع المعلومات والقيام بالتحقيقات في القضية، يقف من مكانه ويتحرك قليلا باتجاه أحد الأفراد الموجودين معه ويضع يده عليه الوكيل “أسعد”!! نعم سيدي رد عليه. الملازم “قيس” يعود إلى كرسيه ويأخذ ورقة من الملفات التي أمامه ويطلب من أحدهم تمريريها إلى “أسعد” ثم يخاطبه: ستجد في الورقة أسماء ثلاثة أشخاص، نريد كل المعلومات عنهم، تحركاتهم أهم الأعمال التي يقومون بها، مع من يذهبون ومن يجالسون، كل شيء. أسعد: طيب سيدي، هذه المعلومات متى تريدها منا؟ الملازم قيس: في أسرع وقت ممكن عندك يومين من الآن. أسعد: بإذن الله تعالى سيدي، المعلومات الكافية سوف تكون موجودة معاك قبل هذا الوقت. يسمح الملازم “قيس” للوكيل “أسعد” والمجموعة التي معه في الخروج ومغادرة القاعة حتى يبدؤوا في العمل.
بعد خروج “أسعد” وأعضاء فريق التحريات من قاعة الاجتماعات، يوجه الملازم “قيس” الحديث لفريق التحقيقات الجنائية: في البداية أقدم شكري لكم على الجهود التي بذلت خلال الفترة السابقة ولا أحدد شخصا معين فقد كان الجميع قدر المسؤولية. أحدهم يتحدث نيابة عن البقية: سيدي نحن لنا الشرف أن نعمل تحت إشرافك ومسؤوليتك؛ فقد استفدنا الكثير منك، ونسأل الله لك التوفيق. الملازم “قيس” مبتسما: نحن فريق واحد نكمل بعضنا بعضا، وكل ما وصلنا إليه بفضل التعاون وروح الفريق بيننا، والحمد لله تقريبا وصلنا إلى حل القضية التي بينا أيدينا. ننتظر فقط الإخوة في التحريات ينجزون عملهم خلال اليومين القادمين ويأتي دوركم بعد ذلك. الجميع: بإذن الله تعالى. الآن يمكنكم الانصراف لإكمال الأعمال الأخرى التي لديكم وسوف أبلغكم بكل المعلومات التي سيصل لها فريق التحريات في وقتها.
يخرج الجميع من القاعة، وكان الملازم “قيس” هو الشخص الأخير الذي يخرج من القاعة وعند الباب يصادف أحد الأفراد ويقول له: سيدي. الملازم “قيس” يرد عليه: تفضل، ماذا هناك؟ الشرطي: في الأحوال لدينا امرأة تريد أن تلتقي معك شخصيا. الملازم “قيس”: بخصوص أي موضوع؟ الشرطي: لا أعلم سيدي كل ما قالته إنها تريد أن تلتقي بك أنت فقط. يتحرك الملازم “قيس” والشرطي ويتجهان إلى الأحوال وحتى يلتقي الملازم بالمرأة.

للقصة بقية

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights