تهنئة
السبت: 06 يونيو 2026م - العدد رقم 2938
مقالات صحفية

لَقد تركَ إرثاً..

فؤاد آلبوسعيدي

قرأتُ في كتابات أحدهم…

(..تمرّ السِّـنون والأعوام ويمضي بنا الزّمان، لتدقّ أجراس الوداع فنمضي تاركين خلفنا لحظات جميلة لا تُنسى، لتبقى ذكريات تُكتٓب على سُـطورِ النِّـسيان).

..مُتواليات الأيّام تسكنني بتبعاتها المختلفة والمتناقضة في توالي تبعات أحداثها أحياناً أشعر بها وكأنّها تحيطني بظلٍّ مُتعملقٍ كبيرٍ أشبه بشموخ أشجار البلوط المُزهرة والمُثمرة في فصول الربيع وهي في أقصى مراحل ارتفاع جذوعها ذي العناقيد المتدلّية وأوراقها الوارفة الخضراء؛ أكاد أشعر بظلٍّ يتبعني جنباً إلى جنب مع خطواتي فأراه كحبلٍ مشدودٍ في خاصرتي يبقيني معه في مساره أينما أكون وإلى حيثما أذهب بخطواتي..؛ أجد في مسيري ظلّاً يتبعني كأنّه سوراً أو سدّاً عالياً منيعاً يحيط بي من حولي فيقوم بسجني وصدّي ومنعي من الهروب بعيداً عن منابع خواطري وأفكاري ويجعلني أتعايش مجبوراً شبه مستسلمٍ في بحر طُغيان الكثير من اللّحظات الممتعة لمتلازمة التّخيلات الوردية وبعض الأوهام الطّفولية الباقية التي بين الفينة والفينة تُبقِيَني ودوداً داخل بوتقة أفكار براءة الطّفل الصّغير..؛ تمضي الأيام وأجد بأنّي رغم التخيلات والأحلام الطّفولية التي تسايرني إلاّ أنّي أحمل وأملك ذات الجسد الذي يسكن بين ضلوعه قلب رجل حكيمٍ كبير قد ذاق الحُلو والمُرّ في مسارات وخبرات الحياة..؛ نعم تلك هي حقيقة الأفكار الشّاردة والنّشطة في عقلي وهو أقرب واقع لخُلاصةِ كلاًّ أو بعضاً مِنما أراه باقياً من ذكريات تسكُـن بُؤرة أفكاري الرّائجة والمتوقّدة التي تملأ صفحات وسطور دفاتري أنقل فيها بعض خواطري المتواضعة وهمساتي المُبعثرة..؛ إنّها رحلات الذهاب والعودة التي تحمل معها ذكرياتي للكثير من ذكريات ولحظات الأحداث الماضية التي عاصرت زمنها وعايشت واقعها وشاركت حصولها مع غيري والتي في الغالب تكون بعد مضيّها أي بعد وصولها إلى نهاية محطّاتها ذي وقعٍ عجيب على النّفس فعودة الكثير من تلك الذكريات يُعيدني إلى التّفكر من جديد حول ما حدث سابقاً بل وربّما إعادة إطلاق الأحكام على ما مضى من أمور وكذلك مراجعة علاقاتي مع الآخرين.

..أملك الكثير من ظلالِ تلك الذّكريات التي تعيدني إلى إدراك بعض الأمور التي لم أستطع فهمها وقتَ حدوثها في الماضي..؛ هي ذكريات كلّما أتت في فكري تكاد أنْ تكون كمحطّات تعيدني إلى مسار استيعاب ما سهى عنّي من أمورٍ كانت شاردة بل توارد تلك الذكريات تساعدني حتماً على كشف بعض الأمور من جديد وعلى فهم ما بَدر وما لم أستطِع إدراكه من أقوال سمعتها وربّما قيلت لي وأفعال وقعت وحدثت تجاهي سلباً أو إيجاباً من قِبلِ بعض الأشخاص أقارباً وأصدقاءاً بل وأغراباً كذلك..؛ هي رحلات تلكزُ وتفتح وقتما تشاء أبواب الذكريات القديمة..،

في الكثير من المرّات واللحظات وجدت بأنّي هكذا أعيش وأسافر في رحلاتي مع ظلّ الذّكريات الذي يسير معي منذ أزمانٍ بعيدة وسنين براءات الصّبا وعفويات الطّفولة اللّاعقلية وهو ذات الظّل الذي سايرني في لحظات اللاّوعي التي كانت تغرّد مع شغبِ وشقاوةِ عُنفوان فترات المراهقة..؛ أعيش وأنا مؤمن في داخلي بأنّي قد عشت الكثير من الأحداث التي صنعت وتصنع الخبرات الحياتية التي تفيدني في أيامي الحاضرة وستفيدني في بقيّة أيّام حياتي المستقبلية إلى ما شاء الله.

لقد عاشرت في رحلاتي الحياتية تجارب جبروتِ طيْش ولحظاتِ عُنفوان وحماسةِ الشّباب حتى عرفت بعدها عن المراد من الوصف الذّي يقال عند وصف حماسة من كان في عُنفوان الشباب بـ (الشّباب الطائش)..، وتعايشت مع أزمانٍ تعلّمت فيها رزانة وحكمة وهدوء جيل الأربعينيين.؛ لقد مرّت في أحداث حياتي الكثير من الأمور التي قد اختفى تماماً من ذاكرتي والكثير من تلك الأحداث والأمور تطبّعت في ذاكرتي وأصبحت كتلك النّقوش التي نراها في المصكوكات النقديّة المعدنية من نحاس وفضة وذهبٍ التي لا تختفي مع مرور الأيام وتبقى متوارثة حتى مع توالي الأجيال بين ماضي الأجداد وبين حاضر الأحفاد، وعلى مرّ السّنين ومع استمرار رحلة الحياة بِتّ أزداد إيماناً في داخل قلبي بأنّ ما يصنع ذاك الظّل الذي يسير معي ليس سوى ما شاهدته عينايا منذ ذاك الحين الذّي بدأت فيه أفهم منه بأنّ لكلّ أمرٍ نفعله أونشاهده أونسمعه في الحياة درساً نتعلّمه فيفيدنا في قادم الأيّام والسّنين.

في بعض رحلاتي التي تعيدني إلى براءات الصّبا وذكريات الطّفولة يبرز بين سككِ وأزقّة أفكاري مشاهدة من شريط الماضي الذّي سُجّل عليه ذكريات الكثير من الأحداث المُؤثّرة والدروسِ المُفيدة والخبرات العظيمة التي بقيت كإرثٍ جميلٍ باقٍ لا يُمتسح ورثته من ذلك العظيم مُعلّمي ومُشجّعي الأوّل والكبير الشّامخ (والدي) الذي كان دوماً يحاول بكلّ جهدٍ وتفانٍ أبويٍّ أن يدفعني أماماً إلى المُتاح والمُتيّسر من أبواب العلم ونوافذ الثّقافة والأدب وذلك على حسب المتوفّر من الإمكانيات من مصادر ومدارك ومنابع مناهل العلوم المختلفة على الرّغم من نُدرتِها في تلك السّنين.

.. في رحلاتي مع الظّل الذي يسير معي أجد بين مفرداتِ تِلكُم الكثير من الحروف والكلمات والحوارات اللّواتي أكتبهنّ بين سطوري وفي صفحات دفاتري الكثير من الشّكر والتّقدير والفضل الكبير لوالدي.؛ هنالك الكثير من اللّحظات التي تذكّرني بوالدي الذي كان لا يحرمنا أبداً من تواجد معظم الجرائد والمجلات والصّحف العربية برائحة حبر أوراقها والصادرة في بلدانٍ عربية من الخليج العربي كصحفِ البيان والإتحاد والخليج والرّاية والرّأي والوطن وعُمان والقبْس وعكّاظ والشّرق الأوسط وأخبار الخليج وغيرهنّ الكثير من صحف ومنشورات دول الخليج العربي وإلى توفير تلك الصحف الصادرة في مصر أمّ الدّنيا مثل صحف الأخبار وأهرام وجمهورية..؛ لم يكن يحرمنا أبداً من نعمة قراءة جميع تلك الصحف بصورة شبه يومية حيث كان وبحكم عمله في خدمات التموين بالمطار يحضر إلينا تلك الصحف ذوي الأسماء الرّنانة والمجلاّت الأكثر شهرة وانتشاراً في الوطن العربي أحياناً في نفس يوم صدورها في بلد أو دولة النّشر وأحياناً حتّى قُبيل وصولها وتوزيعها للبيع في بلادي على أرفُفِ ومناضد بائعي الكتب والجرائد والمجلات في المكتبات التي كان انتشارها في أطراف الشّوارع القريبة شبه منعدم.

..أتذكّر في مخيّلتي جيّداً كيف كنّا ننتظر وصول والدنا عند مدخل البيت بلهفةٍ وشوقٍ أنا وأخواني لكي نسلّم عليه بعد يوم عمله الطّويل والشّاق ومن ثمّ نسأله عمّا نريد من صحف أو نقوم بأنفسنا فنبحث بين غنائم ذلك اليوم عن الصّحف التي نحب قراءتها أولاً قبل الأخرى وكم كان يحدث عراكاً طفولياً أحياناً عندما تكون الغنيمة هي عدد قليل من الجرائد بين الغنائم الأدبية والثّقافية أو عندما تكون بين الغنائم صحيفة أو مجلة عربية جديدة لم نعهد أنْ نراها أو نسمع عنها من قبل..؛ تلك الأيّام كانت ظريفةً جدّاً حيث كان الحصول على التّغذية الأدبية التي كانت تصلنا من تلك الصحف والمجلاّت المختلفة أمراً فريداً وجميلاً ومفرِحاً أشبه بحصول أقراننا من الأطفال الذين كانوا في نفس أعمارنا على الحلويات والسّكريات وغيرهنّ من الأمور المحبّبة التي كانوا يحصلون عليها من آبائهم عند عودتهم من أعمالهم الوظيفية.

..إنّ ظلّ الذّكريات يعيدني إلى الكثير من تلك اللّحظات التي كُنّا نترقّب فيها لحظات الغفوة السريعة أو أوقات النّوم العميقة لوالدنا بعد يومِ عمله الطّويل والشّاق وهو يقرأ ويتصفّح إحدى الصحف أو المجلاّت اللّواتي كان يحبّ ويهوى قراءتهن مثلنا بتروٍّ وهدوء وهو واضعٌ في عينيه نظارته الطبية ذي العدسات الكبيرة لكي ننتزع عن يديه الكريمتين تلك الجريدة أو المجلّة التي لم نقرأها بعد..؛ لقد كان سباقاً أدبياً رائعاً فهو الذي صنع في عقولنا هذه المفردات الثقافية والأدبية؛ تمرّ بعض أيامي ومعها أشاهد ظلّ رحلة الحياة الذي كلّما سايرني مع ما يحمل من ذكريات كلّما قلت في داخلي (لَقد تَركَ إرثاً..).

فنمْ قرير العينين سالِماً يا سيّدي سالِم، أدعو ربّـي في كلّ صلاةٍ أنْ يُباعد بينك وبين ظُلمة ووحشة القبر يا سيّدي سالِم كما باعدت بيننا وبين أوطان الجهل المُظلمة؛ نوّر الله مرقدك يا سيّدي سالِم كما نوّرت عقولنا جميعاً).

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights