الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

ثقافة إسقاط الغير : حين يتحول المجتمع إلى ساحة محاكمة لا تنتهي

    سليمان بن حمد العامري 

في زمن يتغنّى فيه بعض الناس بالمثالية، أصبح الخطأ عند البعض جريمة لا تُغتفر، والتوبة لا تكفي لمحو الزلل. تحوّل المجتمع إلى ساحة محاكمة لا تنتهي، يُسقِط فيها المخطئ من الرحمة، ويُبقيه رهين ماضيه، وكأن باب الغفران قد أُغلِق إلا على من لم يُكشف أمره. فهل نسينا أن الكمال لله وحده، وأننا جميعًا خطّاؤون لا نرتقي إلا بالتوبة والصفح؟

في حياة كل إنسان لحظات ضعف وزلل، ولحظات انكسار وسقوط قد تعيد صياغة مساره بأكمله. فالخطأ جزء من فطرة البشر، وهو باب واسع للتعلّم والتوبة والنضج. لكن المعضلة لا تكمن في الخطأ ذاته، بل في الطريقة التي يتعامل بها المجتمع مع من أخطأ، إذ يجعلون الزلة نزيفًا لا يزول، مهما قدم الإنسان من نفع أو إصلاح أو خير بعد ذلك.

كثيرون يسقطون في لحظة ضعف، ثم ينهضون أقوى، ويطهرون أرواحهم بالتوبة، ويعودون للحياة بقلوب أنقى. لكنهم يصطدمون بجدار صلب من الأحكام المسبقة والرفض الاجتماعي. فالمجتمع الذي يرفع شعار كلنا نخطئ هو ذاته الذي يعاقب المخطئ إلى الأبد، ينسى كل ما قدمه من خير، ويختصر تاريخه كله في لحظة زلّة واحدة، كأنها تختصر إنسانيته بأكملها.

تبدأ المشكلة من نظرتنا القاصرة إلى الخطأ والتوبة. فنحن لا نرى التوبة شجاعة روحية، بل نراها اعترافًا بالهزيمة. لا نمنح التائب فرصةً للعودة، لأننا لم نتعلم بعد أن الغفران شأن ربانى، لا بشري. ننشأ في بيئة تقدّس الكمال وتخشى الاعتراف بالزلل، فنكبر ونحن نخاف الخطأ أكثر مما نخاف الذنب نفسه.

وحين يخطئ أحدنا، يتحول المجتمع إلى محكمة لا ترحم، تُصدر الأحكام باسم الفضيلة، ويقنع كل فرد في نفسه بأنه مثال يُحتذى. ينسى الناس أن من أخطأ ربما قد بكى لله ليلًا، وأقسم أن لا يعود، وأصلح حاله، وفيه من الصفات الحميدة ما يفوق كثيرين ممن يدينونه.

الاتجاه القرآني يخالف هذا المنطق تمامًا؛ فآدم عليه السلام، وهو أول البشر، أخطأ وتاب، فكانت توبته بداية حياة جديدة، لا نهاية له. لكن المجتمع ـ في كثير من الأحيان ـ يُغلق هذا الباب مبكرًا في وجه التائب، فيجد نفسه محاصرًا بين ماضيه ونظرات الناس، بين ندمه الصادق ورفض الآخرين لقبوله من جديد. ولعل هذا ما يجعل كثيرين يستسلمون بعد أول خطأ، لا لأنهم لا يريدون الإصلاح، بل لأنهم لم يجدوا يدًا تمتد إليهم. فبدلًا من أن نكون عونًا لهم على الطريق، نتحول إلى نزيفٍ لا ينقطع، يذكّرهم دائمًا بما أرادوا نسيانه.

المجتمعات التي تغفر تُنقذ، والمجتمعات التي تُحاكم تقتل معنويات أبنائها. إن أعظم ما يمكن أن نقدمه لمن أخطأ هو الثقة به بعد التوبة، فالغفران ليس ضعفًا، بل هو قمة القوة الإنسانية، لأنه يحررنا من عبودية الكراهية، ويمنحنا بصيرة الرحمة التي دعا إليها الإسلام.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كلُّ بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون.

بهذا المبدأ يُقيم الإسلام مجتمعًا يتجاوز الخطأ، لا مجتمعًا يُقدس السقوط ويمنع النهوض. من الخطأ أن نحاكم الناس على ماضيهم، لأن الله وحده يعلم صدق توبتهم، ولأن الإنسان لا يُقاس بزلاته، بل بما فعله بعدها. فلنكن مجتمعًا يرى في التائب إنسانًا جديدًا لا ماضيًا يُلاحَق، ولنكن من أولئك الذين يضمدون الجرح بدلًا من أن يُبقوه مفتوحًا.

فما أجمل أن نكون رحماء كما أراد الله لنا، لا قضاة كما أراد الهوى، لعلّ في رحمتنا حياةً لقلوبٍ أرهقها الناس قبل الذنب نفسه.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights