البعثة قبل الأربعين .. قراءة في سر الاصطفاء المحمدي

سليمان بن حمد العامري
ليست حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مجرد تاريخ يبدأ في غار حراء، ولا يمكن فهم سيرته إذا قرئت من لحظة نزول أول آية فقط. فمن يظن أن كل شيء بدأ عند سن الأربعين يغفل عن البعد الغيبي الذي يربط بين اختيار الله لنبيه وبين كل ما سبق ميلاده وما تلاه. أما الاصطفاء فهو مسار إلهي يبدأ قبل أن تتشكل ملامح العالم الذي يظهر فيه الرسول.
النبي لم يبعث فجأة، ولم ينطلق نور الرسالة من فراغ. فقد جاءت رسالته امتدادًا لتقديرٍ سابق كتبه الله في بنية الكون قبل أن يُخلق الإنسان نفسه. ومن يتأمل مسيرة الأنبياء والرسل يرى أن رسالاتهم كانت تمهد الطريق لخاتمةٍ تكتمل بها دائرة النور، ويُعاد بها ميزان الإنسانية إلى العدل والهدى.
وقبل الميلاد المحمدي بقرون، كانت الأرض، بكل ما فيها من تناقضات وتحولات، تتجه نحو لحظة فاصلة. فإبراهيم عليه السلام دعا أن يخرج الله من ذريته رسولًا يزكي الناس، وعيسى عليه السلام بشر برسول يأتي من بعده يحمل اسمًا لم يُعطَ لأحد قبله. وبين الدعاء والبشارة، كان العالم يغوص في ظلمات الوثنية والاضطراب الروحي، حتى بدا كأن حركة التاريخ نفسها تتهيأ لاستقبال الموعود.
جاء ميلاده صلى الله عليه وسلم، لا كحدث اعتيادي ضمن سلسلة المواليد، بل كبداية طور جديد. فالعلامات التي أحاطت بمولده، بنورها ودهشتها واهتزاز قوى الظلم التي كانت تتصدر مشهد الأرض، ليست مجرد روايات تذكر، بل شواهد تؤكد أن الله عز وجل كان يمهد الأرض لقدوم آخر رسالاته. كانت تلك الإشارات إعلانًا بأن العناية الإلهية بدأت عملها قبل نزول الوحي، وأن البعثة بمعناها القدري سبقت الرسالة بمعناها التشريعي بأعوام، بل بأجيال.
لكن أعظم دلائل الاصطفاء لم تكن في السماء، ولا في الظواهر الخارقة، بل في شخصية النبي نفسه. فقد نشأ صلى الله عليه وسلم، في مجتمعات غارقة في الشرك والخمر والقتال، ومع ذلك نشأ طاهرًا، سليم الفطرة، محمود السيرة، معروفًا بالصدق والوفاء والأمانة والاخلاق ، لا يعرف الكذب ولا يخون، ولا يجاري قومه في عاداتهم الباطلة. وإن مما يدل على الاصطفاء المبكر أيضاً، أن الله تعالى صان نسبه الشريف من كل رجس، وطهر سلسلة آبائه من الموبقات والحرام، حتى جاء إلى الدنيا من أصلٍ طاهرٍ لم تتلوث فروعه ولا جذوره؛ فكان ميلاده امتدادًا لنقاءٍ أراده الله له قبل أن تشرق أنوار رسالته. وهذه ليست صفات تكتسب صدفة، ولا تكونها بيئة جاهلية مضطربة، بل هي جزء من الإعداد الرباني الذي سبق نزول الوحي، إعداد يصوغ الشخصية قبل أن يكلف صاحبها بحمل رسالة السماوية.
ومن يقرأ مرحلة ما قبل الأربعين قراءةً واعية، يدرك أنها ليست، ما قبل النبوة، بل هي جزء من مسار النبوة ذاته. فالله لا يختار لرسالته إلا قلبًا هيأه، ولا يمنح وحيه لروحٍ لم تطهر، ولا يحمل خاتمة النبوة لرجلٍ عبرت حياته في أوحال الجاهلية. ولذلك كانت حياة النبي قبل الأربعين برهانًا على أنه مختار منذ اللحظة الأولى، وأن رسالته ليست حادثًا تاريخيًا، بل امتداد لحكمةٍ ربانية تعمل بهدوءٍ طويل.
والخطأ في فهم هذه الحقيقة هو الذي جعل بعض الناس يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان قبل الأربعين رجلًا عاديًا ليس معصوما ويشارك البيئة المحيطة به أفعالهم اللاأخلاقية ثم تغير فجأة. وهذا تصور لا ينسجم مع حكمة الله، ولا مع منطق الرسالات. فالنبي لا يصنع في لحظة نزول الوحي، بل يُصنع عبر سنواتٍ من التهيئة الروحية، حتى إذا جاء وقت التكليف نزل الوحي على قلبٍ مستعد، وروحٍ اكتمل بناؤها.
ومن هنا ندرك أن الطعن في سيرة النبي قبل الرسالة ليس طعنًا في مرحلة بشرية سابقة، بل طعن في حكمة الاصطفاء الإلهي. فهذا الجانب من حياته ليس فراغًا ولا ثغرة، بل هو أصفى دليل على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم، كان مشروعًا إلهيًا قبل أن يكون فردًا في مجتمعٍ جاهلي.
وحين نتأمل هذا البعد كله، نرى أن الجواب ليس أن بعثته كانت في الأربعين فقط، بل إن السؤال الأعمق هو، كيف هيأه الله ليكون نبيًا قبل أن يولد؟ وكيف صيغت شخصيته لتكون مرآةً للرحمة، ورسولًا يكتمل به نور السماء في الأرض؟
إن معنى البعثة قبل الولادة ليس خيالًا شعريًا، بل قراءة في سنن الاصطفاء التي تسبق الزمن وتشكل الإنسان قبل مسؤوليته، وتكشف أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن يومًا رجلًا عاديًا، بل خُلق ليكون رحمةً للعالمين.



