(قصة) الصديقان .. الفصل الحادي عشر

فايل المطاعني
لأول مرة، اكتشف عمر أنه أمام امرأة مختلفة. لم يكن الجمال وحده ما يميزها، بل وعيها، وثقافتها، واحترامها للآخر. كانت عندما تتحدث، تأسر المستمع بحديثها، وتبهره ببراعة اختيار كلماتها.
قال لها ممازحًا:
– عندما رأيتكِ أول مرة، ظننتكِ امرأة جميلة، أسرت قلب رجل ثريّ وعجوز، تزوجته، وبعد موته بدأت تبكين على الثروة التي ستضيع من بين يديكِ… وكنت متأكدًا أنكِ ستخرجين من المولد بلا حمّص!
نظرت إليه سهام باستغراب، ثم قالت بنبرة غاضبة:
– أيها المحامي الذكي، أنا بنت عزّ ووجاهة، ولست محدثة نعمة. وكما شرحت لك، كانت هناك شراكة مصالح بين والدي والمرحوم زوجي، وللأسف كنت أنا ضحية تلك المصالح.
ثم نظرت مباشرة في عينيه وقالت:
– أعرف أنك ستقول: أين كان عقلك وثقافتك حين أجبرك والدك على الزواج من رجل بهذا العمر؟ ولماذا لم ترفضي وتبحثي عن هدف لحياتك؟ الحقيقة أن لكل منا لحظات ضعف، يتوقف فيها العقل، ويصبح هدفنا الوحيد هو إرضاء من نحب، حتى لو كان ذلك على حساب حياتنا.
عندما يقول لك والدك: إذا لم تتزوجي هذا الرجل، فأنت لست ابنتي ولا أعرفك… حينها يتوقف النبض في جسدك.
ثم ابتسمت وقالت بنبرة ناعمة:
– أنت لا تعرف حال الفتاة في المجتمعات الذكورية… تُنفّذ ما يُطلب منها، حتى لو كان الثمن سعادتها.
لكن، حكايتي ليست حزينة كما تظن، فيها جانب مشرق… ابنتي ريم، كنزي الثمين.
ثم أضافت بخبث أنثوي:
– لولا الإخفاقات، لما ظهر هذا الجمال الذي يعجبك في المرأة!
أما في الجانب الآخر، فكان محمد يحاول الاقتراب من عالم منى، أن يبوح لها بمكنونات قلبه، ولكن التردد والخوف لجم لسانه. بقي ساكتًا معظم الوقت، يرد على بعض تساؤلاتها، خاصة عن دراستها.
اقتربت منى منه محاولة إزالة الحواجز، ونظرت إليه بمرح قائلة:
– محمد، انظر إلى الورود من حولنا، تنثر شذاها في كل مكان. أمي، أنا، وأختي نحب الورد…
نظرت إليه مطوّلًا، ترصد ردة فعله، بينما كان هو في وادٍ آخر، يفكر فقط: أول مرة تناديني باسمي! وكأن منى قرأت أفكاره، فقالت:
– ألم يقل صديقك عمر أننا صرنا بيننا عيش وملح؟ إذًا، لا داعي للرسميات.
ثم تابعت وهي تتصنع الجدية:
– المهم… عندي صديقة تحب شابًا، لكنها لا تعرف كيف تصارحه. يمنعها حياؤها… والتقاليد.
سكتت، ثم نظرت إليه بخبث.
شعر محمد بالارتباك، لكن استجمع شجاعته وقال:
– من المفترض أن تفهم من تصرفاته… من اهتمامه… أليست للمرأة حاسة سادسة؟
قاطعتْه منى:
– لكنها تريد أن تسمعها صراحة… كلمة “أحبك” من فمه. المرأة كائن رقيق، والكلمة الطيبة تسعدها، فكيف إذا نطق بها من تحب؟
سكت محمد، ولمح دمعة انزلقت على خدها، حاولت منى أن تخفيها، لكنها كانت أسرع منها.
انتظرت منى طويلًا أن يصارحها بحبه، لكنه ظل مترددًا، حائرًا، خائفًا. فقالت له بمرارة:
– يبدو أنني وجّهت السؤال إلى الشخص الخطأ. أنا آسفة، أستاذ محمد.
ثم غيرت نبرة صوتها، لتصبح أكثر وقارًا، وقالت:
– أريد أن أناقش مسألة استعصت علي، وهي ضمن المقرر الدراسي، وأفكر أن أدرسها كمادة صيفية.
بدأ محمد يشرح لها، بينما هي تنظر إليه بعينين خائبتين. أدركت أن محمد أضعف مما تصورت. إذا كان لا يستطيع قول “أحبك” ونحن وحدنا، فكيف سيواجه أهلي؟
قررت حينها أن تطوي صفحته من قلبها.
رمت الوردة أرضًا، وقالت:
– لا يكفي أن تكون وسيمًا لتكون رجلًا يعجب المرأة. المرأة أرقى من أن تعجبها صورة… فالصورة، مهما كانت جميلة، سيرسم عليها الزمن تجاعيده ويرحل.
يتبع…


