ولم يُجِب العرب بعد!
مريم سليمان الجابرية
يحكى في الزمن القديم، بين أراضي العرب الوعرة خلف الجبال، عن رجلٍ يزور كل سنة قريةً، يخاطب أهلها بصوته الجَهوري:
ــ أنا الرجل العابر، أحمل بيدي شيئًا يختلف الناس عليه. ماذا عنكم؟
يتهافت الشيوخ والصغار بأصواتهم المتعالية:
ــ جاء رجل الأحجية! ها قد زار القرية!
فيقول شيخ غائر في العمر:
ــ لعله خير… لعل أبناء قريتنا أفضل من الغير.
على بساطٍ وُضع في وسط القرية، يجلس الرجل وحوله الناس من كل مكان. يحمل على ظهره كيسًا أسود. يرفع صوته عاليًا حتى يهدأ المتحدثون:
ــ سأخرج لكم ما في الكيس. إنه شيء لا ببَخس ولا نفيس، لم تُجمع العرب على ماهيته حتى الآن. وليتني أجد عندكم الجواب، فأرتاح من حمله، فقد ولّى بي الشباب.
يقول كبير القرية:
ــ سيكون الجواب في قريتنا لا محالة.
يُخرج الرجل الغريب ما في كيسه، فتتعالى الأصوات:
ــ إنه حجر كريم!
فيرد الذي بجانبه ضاحكًا:
ــ لا، هذا إناء من الفخار!
فيقول كبير القرية:
ــ لا تتسرعوا في الإجابة، دعونا نتأمل أكثر. كلنا نملك العيون، فلنرَ ما يكون.
تهافتت الأصوات من كل صوب، وكثرت الأجوبة.
فصرخ أحدهم:
ــ ما أقول صحيح، إنه شمعدان قبيح! لا تنظروا إليّ، فأنا شخص جد صريح!
تمضي الساعات، وكلٌّ يجيب بجواب حسب زاويته. تبدأ الصراعات، يقسم هذا أن جوابه هو الصواب، بينما الآخر يقول العكس. يتشابكون بالأيدي، ويحاول كبير القرية ورفاقه حل النزاع، لكنهم بدورهم يتنازعون.
بكل هدوء، يجمع الرجل الغريب ما أخرجه من الكيس، ويعبر بين الجميع. ويمضي بخطوات وادعة إلى خارج القرية، وهي تموج بالصراعات والشتائم، ولا أحد يلحظ خروجه.
يمضي وابتسامة تعلو وجهه… ثم لا أثر له..
