الصمود النادر
حبيب بن مبارك الحبسي
صرخات تفتت الصخر وأنين من الألم يرافق تلك الصرخات، ولا آذان يسمع لها.. ولا نداءات امرأة من غزة تصل.. لأنها ليست زهراء السقطرية ولا الصلت بن مالك حي يرزق ليغيث الملهوف.. إلا أن “غزة” صامدة.
بوح من المعاناة والحياة القاسية تفرض على المستضعفين. والأصوات تتعالي.. حتى جفت منابعها بلا وعي تطلق… وآهات وحسرات تحرق الأخضر واليابس.. ودموع الثكالي وفلذات الأكباد تسكب دما… ونزيف من الدماء يهطل… ليروي الأرض المحترقة؛ إلا أن “غزة” صامدة.
ذلك حال أهل “غزة”.. حتى عمرانها دمر… وطمست المساجد والكنائس.. وهدمت البيوت على من فيها وتحولت إلى مقابر.. الكل في “غزة” مصاب في النفس والمال.. ولم يسلم منها الحيوان والنبات. لكنها “غزة” الصامدة ولن تسقط.
تشاهد قصة وطن مع أم ترفض أن تغادر وطنها.. لأنها ودعت ابنها شهيدا إلى قبره بالزغاريد وحملت حفنة من تراب قبره لإخوانه وأن دماءه لا تجف.. لتبقي “غزة” شامخة رغم الخراب… وطفل يتعلم تحت جدار ما تبقى من مدرسته.. وما تلبث صواريخ المحتل إلا وتقصفه ثم يرفع كتابه من تحت الأنقاض ولديه أمل في الغد.. بإذن الله تعالى “غزة” صامدة.
من يصنعون التاريخ لا يولدون مرتين ولا يعيشون كثير.. ولا يعترفون بأوسمة.. لديهم مشروع فكر.. يقدمون أرواحهم رخيصة له.
هكذا الرجال تعشق الموت من أجل حياة الحرية والتغيبر والنصر.. من يؤمن بفكره يعشقها حتى الموت.. إن رحل بطلا فلا بكاء عليه لأن هذه الأمة ولادة أبطال عبر مر التاريخ.. أوسمتهم الجراح في الميدان.. فلله در الشاعر حين قال:
إذا مات منا سيد قام سيد
قؤول لما قال الكرام فعول
لا تحسب الأرض عن إنجابها عقرت
من كل صخر سيأتي للفدا جبل
فالغصن ينبت غصنا حين تقطعه
والليل ينجب صبحا حين يكتمل
ستمطر الأرض يوما رغم شحتها
ومن بطون المآسي يولد الأمل.
كل شيء له أثمان.. هذا مبدأ في قاموس الشرفاء والأحرار.. لا بد من تضحيات بالنفس والمال.. لا يهم كم شهيد.. المهم كيف سيعيش أبناء الشهيد.. رافعا رأسه نابذا حياة الخنوع والذل.
أمثال هؤلاء الحياة لا قيمة لها.. هؤلاء هم رجال “غزة”. ألا يعد هذا صمود من النوع النادر رغم مدة القتال.
المثبطين على مر التاريخ هم الجبناء وأصحاب المنافع يتوارون بالتأثير ولغة الخداع والخيانة.. هؤلاء مرضى ترفضهم الأرض.. ولا يقبل التعامل معهم.. مصيرهم الخزي والعار يعيشون في خوف.
لله در أهل “غزة” كم هم في بلاء قتال وحصار وما يزيدهم إلا إيمانا وتسليما لقضاء الله تعالى وقدره.
إلى مقال آخر.. صهوة جواد.



