يتسترون خلف الأنظمة

سليمان بن حمد العامري
عندما أمرنا الله ورسوله بالدعاء بالستر، لم يكن ذلك عبثًا ولا قولًا يلقى دون حكمة. دعني أروي لك قصة بسيطة بأسلوبي البسيط.
في زمنٍ من الأزمان، كان هناك رجال معروفون بامتلاكهم أموالًا طائلة وصفت بالفاحشة. كانوا يتغنون بالسلام، ويرفعون شعارات الرحمة الاجتماعية والعاطفية. أقاموا أنظمةً لحقوق الإنسان وحقوق المرأة والطفل، وحتى حقوق الحيوان والبيئة. كانوا يرسمون السياسات، ويخططون، ويفرضون رؤيتهم على دولٍ بأكملها. فكان الناس ينظرون إليهم بإعجاب، وكانوا يقولون، انظروا كيف يجسدون القيم النبيلة، وكأنهم يطبقون الرسالة المحمدية في صورتها العالمية.
لكننا لم نكن نعلم أن وراء الستار أفعالًا تناقض ما يعلنون، وأن ما يخفى أعظم مما يظهر. وكان كبيرهم يدبر ويخطط، ويُحكم قبضته على شبكةٍ من النفوذ والوقاحة.
حتى جاءه أجله، فأخذ الله روحه فجأة، وهو غافل عن أن الرحيل قد يدركه في أي لحظة. وربما ظن أنه أعد لكل شيء حسابًا، إلا حساب الموت. وما هي إلا فترة يسيرة بعد موته حتى انكشف المستور، وسقط الستار، وظهرت قبح الأعمال والأفعال التي كانت تدار في الخفاء، هو ومن كان معه من أصحاب النفوذ.
تلك سنة الله، أن يمهل ولا يهمل، وأن ينذر قبل أن يؤاخذ، فإذا جاء الأجل فلا تأخير ولا تقديم.
ومن العجيب أننا عندما يرتكب بعض ضعاف القلوب أبشع الجرائم، نصفهم بأسماء حيوانات اشتهرت، في وصفنا، بالشجاعة أو الوفاء، كأن نقول، الذئاب البشرية. والحقيقة أن في ذلك ظلمًا للحيوان نفسه؛ فالذئب لم يكلف، ولم يحمل رسالة، ولم يمنح عقلًا يحاسب به على أمانةٍ عظمى. بل إن كثيرًا من الحيوانات تسير على فطرتها، لا تتعدى ما خلقت له. وقد عرف عن الذئب أنه لا يقارب أمه ولا أخته، ويظهر نوعًا من الترابط داخل جماعته، ويعين أفراد قطيعه عند الضعف. ومن الأفعال التي يعجب لها الإنسان أن لبعض الحيوانات نظامًا فطريًا منضبطًا تسير عليه، ومن يخرج عن هذا النظام يقصى أو يدفع ثمن مخالفته داخل جماعته، ويذكر مثل ذلك في بعض سلوكيات الغربان أيضًا.
أما الإنسان، فقد حمل الأمانة، وعرض عليه التكليف، ومنح العقل والاختيار. فإن اختار طريق الفساد والظلم، فقد انحدر بإرادته لا بغريزته. قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾.
بذلك يتضح أنهم أضل من الحيوانات، فنقول حاشا الحيوان من أفعالهم التي تُصدم منها القلوب.
لذلك ينبغي لنا أن نعي أن المعركة ليست مع شعاراتٍ براقة، بل مع حقيقةٍ باطنة، أن من يسير في طريق الظلم والرياء إنما يسير خلف الشيطان، والشيطان لا يريد بالإنسان إلا الهلاك، وسقوطه في الجحيم الأبدي إن لم يتداركه الله برحمته.


