الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

رؤية الجحيم في الدنيا

سليمان بن حمد العامري

قبل جمعتين، من هذا اليوم، كنت في المسجد لصلاة الجمعة، كل شيء بدا عاديًا، حتى بدأ الإمام يتلو في الركعة الثانية: “أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ…” سورة التكاثر ٢، فإذا بي أسمعها كأنها تُتلى علي لأول مرة، كأنها خرجت من كتاب لم أفتحه من قبل، كأنها ليست مجرد آية، بل رسالة كتبت.

وقفت الكلمات على أعتاب قلبي، ثم تسللت إليه بلا استئذان، شعرت أن هناك أمرًا جللًا، شيئًا عظيمًا تريد نفسي الوصول إليه.

“كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ” التكاثر ٥

تأملت، وسألت نفسي: من الذي يرى الجحيم في الدنيا؟ إنه من ملك علمًا ليس في الكتب، بل في القلب، علم يوقظك من الغفلة، ويفتح لك باب البصيرة، ويزرع فيك خوفًا لا يطفأ، ورجاءً لا يفتر. ليس المقصود أن ترى نار الآخرة بعينك، بل أن تراها بقلبك، أن تشعر بحرها في ذنبك، وأن تدرك حقيقتها قبل أن تقع فيها.

علم اليقين… هو عندما ترى الخطر وأنت على قيد الحياة، فتنزاح عن طريقه، هو حين تدرك بقوة الفهم ما يخفيه الغيب، فتعيش كأنك ترى ما لا يُرى، وتسمع ما لا يُقال، هو عندما يكون الذنب ثقيلًا قبل أن يُكتب، والمحاسبة حاضرة قبل أن تبدأ، وهذا لا يناله كل متعلم، ولا كل حافظ، إنها هبة… هبة من الله لمن أراد به خيرًا، ليكون نافعًا لنفسه ولغيره، وهذا ما نلمحه في حوار نبوي عجيب، حين سأل النبي- صلى الله عليه وسلم- معاذًا: “يا معاذ، كيف أصبحت؟” فقال: أصبحت مؤمنًا حقًا. قال له النبي: “إن لكل قولٍ حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟” فقال معاذ: “ما أصبحتُ صباحًا قط إلا ظننتُ أني لا أُمسي، وما أمسيتُ مساءً قط إلا ظننتُ أني لا أُصبح، ولا خطوتُ خطوة إلا ظننتُ أني لا أتبعها غيرها، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية، كل أمة تُدعى إلى كتابها، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون فيها، وأهل النار في النار يتعاوَون فيها.” فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “عرفتَ فالزم.”

“ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ” التكاثر ٧. وهنا يختلف المشهد، لم تعد الرؤية تأملًا أو إدراكًا، بل أصبحت واقعًا، عين اليقين ليست للبصيرة… بل للحقيقة. هناك، في ذلك اليوم، ستُكشف كل الحجب، وتظهر كل الحقائق. لكن حينها لا ينفع فهم، ولا يجدي تأمل. إما أن تكون قد أبصرت في الدنيا، أو ستُبصر في الآخرة بعدما فات الأوان.

أليس من المؤلم أن نقرأ ونتدبر القرآن، ثم لا تتحرك قلوبنا؟ أليس من الخطر أن نبلغ من الإدراك ما يُلزمنا بالبكاء، فلا تدمع أعيننا؟ من رأى الجحيم بعين البصيرة، لم تغفل جوارحه، ولم يهن قلبه، ولم ينسَ ربه لحظة.

ثم ها هي الآية الأخيرة تهز القلب: “ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ” التكاثر ٧، وأي نعيم أعظم من البصيرة، ومن لحظة صفاء ترى فيها الحق كأنه أمامك؟ فيا من رُزق الإدراك، ويا كل مكلف، هل رأيت الجحيم؟ إن لم ترها بعين قلبك، فاسأل الله أن يحيي هذا القلب، قبل أن يُسأل عن النعيم.

وإذا كان في هذا التأمل ما وافق الحق، فذاك من فضل الله وحده والحمد لله رب العالمين.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights