رواية نادية .. (الجزء الرابع والخامس)

فايل المطاعني
المشهد الرابع .. الدكتورة بدرية علي
تفضل، ادخل..
قالتها بهدوء عندما سمعت طرقًا على باب مكتبها. لم تمضِ ثوانٍ حتى دخل رجل أنيق، يضع بين شفتيه سيجارة فاخرة بطرف مدبب، يتصاعد منها دخان كثيف. جلس أمامها وقال معتذرًا:
آسف على التأخير، دكتورة… أطلت المكوث خارجًا وأنا أبحث عن مكتبك. السيجارة؟ فقط لأهدئ أعصابي بعد المكالمة المفاجئة من المستشفى.
قال ذلك وهو ينفث الدخان في الهواء، ثم أطلق ضحكة قصيرة تحمل توترًا خفيًا.
كانت الدكتورة بدرية منشغلة بفتح درج مكتبها، تبحث بين الملفات. وما إن وجدت الملف المطلوب حتى رفعت عينيها إليه وقالت:
أهلًا وسهلًا… ولكن، لم أتشرف بمعرفتك.
ابتسم الرجل ابتسامة باهتة وقال وهو يمد يده:
تقصير مني، سامحيني. لم أقدم نفسي… أنا فؤاد سالم، رجل أعمال.
لكنها بقيت تنظر إليه بصمت، تنتظر أن يواصل.
قال بنبرة حاول أن يجعلها ثابتة:
أنا… زوج نادية.
تغيرت ملامح الدكتورة بدرية فجأة، وكأن مفاجأة غير متوقعة وقعت على مسامعها. حاولت كتمان انفعالها، وقالت بنبرة مشوبة بالعتاب:
زوج نادية؟! ألا يجدر بك أن تكون إلى جوارها الآن؟ لا أنت ولا أهلها زرتموها منذ أن دخلت المستشفى! ستة أشهر وهي هنا، لم نرَ أحدًا منكم.
صمت فؤاد للحظات، ثم شبك يديه ووضعهما على الطاولة، وكأنه يحتمي بهما من المواجهة. قال بهدوء:
دكتورة، تعلمين أن رجال الأعمال دائمًا في شغل. لكنني الآن هنا… لأراها. هل تحسنت حالتها؟
ثم تردد قليلًا، وقال بصوت متلعثم:
تعرفين… صعب على المجتمع أن يعرف أن زوجتي… في مستشفى للأمراض النفسية ..
لم يستطع أن يُكمل الجملة.
تنهدت الدكتورة بدرية، واستعادت بعضًا من هدوئها المهني، وقالت:
أستاذ فؤاد، زوجتك تحت الملاحظة منذ ستة أشهر، ولم تظهر عليها أعراض جنون. إنها مدركة لمن حولها، تتعرف عليّ وعلى الممرضة المسؤولة عنها. صحيح أنها تمر باضطراب نفسي، لكن هذا لا يعني الجنون. بل على العكس… أرى أن حالتها قد تتحسن إن عادت إلى البيت ورأت أبناءها.
استمع فؤاد إليها وكأنه تلميذ في حضرة أستاذة صارمة. لم يقاطعها، بل ظل يحدق فيها بعينين غائمتين.
قال بعد أن أنهت كلامها:
أشكرك، دكتورة، على كل ما قدمتموه لها… ولكن، كيف تقولين إن حالتها مستقرة وهي تدّعي أنني لست زوجها؟ هذا الأمر يسبب لي حرجًا شديدًا أمام الناس!
أجابته الدكتورة بنبرة حازمة ممزوجة بالتفهم:
أستاذ فؤاد، لم أقل إنها لا تعاني من أعراض نفسية. كلنا نعاني بدرجة ما… ولكن ما تعانيه يمكن التعامل معه، والسيطرة عليه. هي فقط… تقول إنها ليست نادية.
سكتت لحظة، ثم أردفت:
بل تدعي أنها أختها. ونحن لا نصدق ذلك بالطبع، لكن… لمَ تصرّ على هذه الكذبة؟
قاطَعها فؤاد، وقد تغير صوته فجأة:
ربما روح أختها المتوفاة… تجسدت فيها؟! لا أجد تفسيرًا آخر، غير أنها تهذي!
يتبع…
المشهد الخامس .. العائلة
كان أحمد يجلس على الأريكة يتصفح صحيفة الصباح، يتأمل صفحاتها الملونة وكأنه غارق في عالم بعيد. بجواره كانت زوجته “أمل” تراقبه بصمت، مستغربة هذا الاندماج الكامل مع الورق، وكأن لا شيء في العالم يستحق اهتمامه سواه.
قالت محاولة لفت انتباهه:
أحمد…
لم يجب. أعادت النداء، فرد أخيرًا دون أن يرفع عينيه عن الصحيفة:
نعم؟
كررت النداء هذه المرة بنبرة مترددة:
متى ستأخذ والدتك إلى المستشفى؟
هنا، أنزل أحمد الصحيفة فجأة من يده، ونظر إليها باستغراب:
والدتي؟! هل هي مريضة؟
أدركت أمل على الفور أنها لم تحسن صياغة السؤال، فصححت بلهفة:
أقصد… مستشفى الأمراض النفسية…
تبدلت ملامح أحمد، وظهر الغضب جليًا في عينيه. حدّق فيها بشدة وقال بحدة:
أمل، لا تكرري هذا الحديث مرة أخرى. أمي ليست مجنونة.
قالها ونظراته تكاد تحرق وجهها. شعرت أمل بقلبها يقفز من مكانه، لكنها تماسكت وردّت بصوت فيه شيء من السخرية
ونادية؟ هل كانت مجنونة حين أخذتموها إلى المستشفى؟
وقف أحمد فجأة، ورفع الصحيفة عن الطاولة، ثم التفت نحوها وقال بنبرة تهديد:
لولا دخول نادية إلى المستشفى، لما رأيتِ النعيم الذي تعيشينه اليوم. جاءك العز يركض، والآن تتحدثين عن أمي؟
ثم اقترب منها حتى كاد يلامس وجهها، وهمس بصوت خافت حاد:
إياك أن تذكري هذا الكلام أمام أمي… لا تلمّحي لها حتى. إن علمت بنادية، قد تفقد عقلها فعلًا.
أمل، وقد أدركت أنها تسرعت، حاولت تلطيف الأجواء فقالت بنعومة:
لا طبعًا، هي مثل أمي تمامًا. أنا فقط قلت إن حالتها النفسية تعبة بعد كل ما حدث… فقدت ابنتها، وابنتها الثانية في المستشفى، أليس من الأفضل أن تتلقى رعاية نفسية؟
قاطـعها أحمد بنبرة قاطعة:
قلت لك، أمي ليست من ضمن اهتماماتك. لا تحاولي مرة أخرى. أمي لن تذهب إلى أي مستشفى.
ثم اقترب منها مجددًا، وهمس بسخرية:
أمي ليست مثل أمك… التي لا نراها إلا ويدها ممدودة تطلب مالًا!
تجمدت أمل في مكانها، وكتمت غضبها بصعوبة. قالت ببرود:
حسنًا يا أحمد، لن أزعجك بهذا الحديث مرة أخرى. وكما قلت… أمك مثل أمي.
همّ أحمد بترك الغرفة، دون أن يعلّق على اعتذارها، لكنه توقف عند الباب وقال:
أمي تتألم لما حدث لنادية، نعم… لكنها لا تستحق أن تُعامل كمريضة نفسية. هل فهمتِ يا أمل؟
ثم خرج، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا، ووجهًا غارقًا في التفكير.
يتبع..


