السبت: 05 أبريل 2025م - العدد رقم 2511
Adsense
قصص وروايات

هزة ارضية

ميادة بنت رامس عبدالله العمرية

خَيَّمت حالة من الذعر على العالم أجمع بعد أن انتشر خبر ظهور فيروس جديد يغزو العالم، حيث كانت سرعة انتشار الخبر أسرع من انتشار الفيروس نفسه، جميع الناس في حالة قلق شديد، بناءً على التداعيات الخطيرة والآثار السلبية العديدة التي نجمت عن الانتشار المُرَوِّعِ للفيروس، فقد قامت السلطات باتخاذ عدة إجراءات احترازية كالتباعد الاجتماعي، وارتداء الكمامات، ووجوب غسل اليدين بانتظام بالماء والصابون، واستخدام المعقِّمات، وتجنب التجمعات، والفحص والتتبع والتطعيم بإعطاء اللقاحات المتاحة؛ وذلك للحد من انتشار الفيروس وحماية الصحة العامة.
تباينت الآراء وردود الأفعال بشأن الجائحة وأبعادها، ونتائجها وأضرارها؛ فانقسمت الآراء بين مصدق للخبر، وبين مكذب ومتذبذب بين هذا وذاك، فمنهم من نظر إلى الخبر على أنه مجرد وَهْمٍ، ومنهم من تمكَّنَ منهم القلق فأخذوا بالاحتياطات الضرورية، ومنهم من تقيَّدَ ببعض الإجراءات الاحترازية واستهان ببعضها، وهذا ما فعله “علي” الذي كانت الإجراءات الاحترازية بالنسبة له عبارة عن كمامة يرتديها أثناء عمله مُجْبَراً أو أثناء تواجده في الدوائر الحكومية والمؤسسات الأخرى التي تفرض لبس الكمامة على كل مرتاديها، ليعود بعدها إلى انتزاعها ووضعها بجيبه لوقت الضرورة، فلم يستطع الفيروس أن يُكَبِّل روتينه الذي اعتاد عليه من اجتماعه مع رفاقه؛ فبعد أن منعت السلطات التجمعات، عمد الكثير من الشباب والعائلات إلى التجمع سراً في أماكن بعيدة عن الأنظار ضاربين بجميع الإجراءات الاحترازية عرض الحائط.
استمر “علي” وغيره من المستهترين في حضور تلك التجمعات السرية حتى انتشر الفيروس سريعاً كسرعة انتشار النار في الهشيم، وبدأت أعراض حلول الفيروس في جسمه، تهاجمه، وأخذت درجات حرارته في الارتفاع شيئاً فشيئاً، وبدأ الاحمرار يظهر في عينيه، وبدأ جسمه يتصبب عرقاً، وبعد أن ذهب لتلقي العلاج في المركز الصحي، تأكدت إصابته بفيروس كورونا!
لم يكن “علي” ليصدق تلك النتيجة، وظنها مجرد أعراض الأنفلونزا العابرة، وذهب لأكثر من مستشفى خاص؛ لكي يتأكد أكثر، فكانت النتيجة هي ذاتها !
ازدادت حالة “علي” سوءا؛ فقد بدأ السعال الجاف الشديد ينهك رئته، وغدت حالته تزداد سوءاً يوماً بعد يوم، التزم “علي” البقاء بغرفته، وتولت أخواته رعايته، فانتقلت عدوى الفيروس إلى كافة مَنْ في البيت، وتفاوتت أعراض الإصابة بينهم من طفيفة إلى شديدة، وكانت والدته أول المصابين: إذ أصيبت بسعال جاف قوي لازمها ليلاً ونهار، أما أخواته فقد اقتصر الأمر على فقدانهن لحاسة الشمِّ والتذوق لمدة ثلاثة أيام فقط.
بعد مرور أسبوعين، تعافى “علي” من الفيروس بينما ظلت والدته تعاني من بعض الأعراض، إلا أنها شُفِيَتْ بعد مدة.
خلال تلك الفترة، لم تظهر أي أعراض واضحة على والده، إلا أنه كان يشعر بخمول في جسده، وبعد عدة أيام بدأ والده يعاني من صعوبة في التنفس عند قيامه بأدنى مجهود، وظهرت عليه أعراض الحمى، وبعد ذهابه إلى المستشفى، تبين أن الفيروس قد تمكن من رئتيه، وأن حالته حرجة، وعلى الفور تم إدخاله إلى العناية الفائقة في قسم العزل.
في خضم هذا الوباء الذي اجتاح العالم، تأثر الاقتصاد بشكل كبير، وأغلقت بعض الشركات أبوابها، وانهارت قطاعات كاملة؛ مثل السياحة والطيران، وفقد بعضهم وظائفهم، وشعر الطلبة بالقلق حين أغلقت المدارس والجامعات أبوابها، كما أثرت هذه الجائحة بشكل كبير على الشعائر الدينية في جميع أنحاء العالم، وازدادت معدلات القلق والاكتئاب؛ حيث تسببت العزلة والضغوط في فقدان الكثير من الروابط الاجتماعية، واضمحلال الوشائج الإنسانية، والأعراف المجتمعية، وأصبحت المستشفيات تعاني من ضغط هائل بسبب الأعداد المتزايدة من المصابين.
كان بعضهم يقاوم المرض بشجاعة، لكن الكثيرين كانوا في حالات حرجة ويحتاجون إلى رعاية طبية متقدمة.
كلما استجاب “أبو علي” للدواء، وقَرُبَ من مرحلة الشفاء، يطرق مسامعه أنباء وفاة المرضى بالغرف المجاورة له، فتنتكس حالته ويعود إلى نقطة الصفر، وتزداد حالته سوءاً.
ظل “أبو علي” على هذه الحال فترة من الزمن، فقد كانت صحته تتذبذب بين التحسُّنِ والانتكاس.
في إحدى الليالي وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً، وبينما كان “أبو علي” في سريره محاطاً بأصوات الأجهزة الطبية التي تُصْدِرُ تنبيهات مستمرة يتخللها أصوات نوبات السعال الصادرة منه ومن بقية المرضى، كان يُخَيِّمُ على منزل “أبي علي” صمت رهيب، وتوَجُّسٌ مشُوبٌ بحذر، وحزنٌ ممزوجٌ بألم؛ فبينما كانت ابنته الكبرى وشقيقتها الوسطى تجلسان في غرفة المعيشة (الصالة) حدثت هزة أرضية قوية تُلْقِي بالابنة الكبرى جهة اليمين وبنفس اللحظة طَوَّحت بالابنة الوسطى جهة الشمال، فسقطتا كلاهما بشدة على الأرض. حاولت الابنة الكبرى النهوض، لكنها لم تستطع؛ إذ شعرت وكأن جسدها التصق بالأرض فجاهدت إلى أن تحبو الى غرفة والدها متجهة إلى سريره.
وجدت أباها نائماً على السرير فعمدت إلى إيقاظه؛ فاستيقظ سريعاً، فخاطبته قائلة له: أبي أبي! حدثت هزة أرضية، وعلى وجه السرعة نهض والدها من على السرير واقفاً وقال لها: لا تخافي إنَّهُ (هو)! وبنفس السرعة التي استيقظ بها اتجها نحو الباب، قبل مغادرته التفت إليها وقال: ( لا تنسي أن تمسحي نقاط العسل الثلاث التي توجد على الطاولة )، وغادر الغرفة.
في هذه الأثناء، استيقظت الابنة الكبرى فجأة وهي قلقة ومتوجسة فاتصلت بأخيها “علي” الذي كان يرافق والده في المستشفى، وسألته عن صحة أبيها وهي تبكي؛ فطمأنها وأكد لها أنه بحال جيده، ولكنها ما زالت متوترةً، فأخذت تبحث عبر هاتفها في محرك البحث (جوجل) عن تفسير لحلمها لكنها لم تجد تفسيراً يُطَمْئنُها، فازداد قلقها، فقررت الوضوء ثم صلت ودعت الله أن يشفي أباها، وبعد هنيهة، بدأ الاطمئنان يسري في قلبها شيئا فشيئا، عندها أمسكت بالمصحف لتقرأ ما تيسر منه حتى وصلت إلى
قوله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ*﴾-[سورة البقرة:214]. توقفت عن القراءة برهة من الزمن، وأعادت قراءتها بتمعن وتدبر متوقفة عند كلمة (وَزُلْزِلُوا)؛ فقالت: نعم نعم هذا هو تفسير الهزة الأرضية؛ فهي البأسُ والضراء التي أصابت والدي وهو كنوع من الزلازل التي تهز كيان الإنسان هزاً شديداً، ثم رددت بصوت عالٍ: أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ! أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ! واستبشرت بهذه الآية وشعرت أن الله سيرفع البلاء وينصر أباها على مرضه.
نهضت مُتَّجِهةً إلى غرفة والدها وكانت المفاجأة؛ وجود ثلاث نقاط عسل على الطاولة، وقالت بدهشة كبيرة مُحَدِّثَة نفسَها: من أين أتى هذا العسل؟! وأنا أنظف هذه الطاولة كل يوم؟! عندها تذكرت طلب أبيها في الرؤيا منها مسح العسل الذي على الطاولة، فقالت: العسل العسل؟! وتذكرت قول الله تعالى:﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ… }-[النحل:72]. فرددت:( فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ! فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ!)
وابتهجت كثيراً واعتبرت أن كل ما رأته يعتبر رؤيا مُبَشِّرَة.
بعد ثلاثة أيام من هذه الرؤيا، كان “أبو علي” في منزله ينعم بالصحة والعافية بعد أن مكث شهراً بين أحضان أجهزة التنفس الاصطناعي.
مرت الجائحة مُخَلِّفَةً وراءها ذكريات كثيرة منها المحزن ومنها المفرح فمن أصابته السراء شكر؛ فكان خيراً له، ومن أصابته البأساء والضراء صبر؛ فكان خيراً له.
﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا ﴾ – [الأحزاب:38].

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights