السبت: 14 مارس 2026م - العدد رقم 2854
مقالات صحفية

وداعاً أبي العزيز

ثاني بن مبارك الحبسي

روحٌ قد رحلت بعد أن استوفت ما قدّر الله لها من أجل، وكتابٌ طَوى القدر صفحاته، وهكذا كان رحيل أبي.

شهورٌ مضت على رحيله، ولا زلت أعيش صدمة الفراق وكأنها بالأمس، فاجعة الفقد لا زالت تخيِّم بسُحُبها السوداء على قلبٍ قد أنهكه الحزن والأسى، مؤلمة هي الأيام عندما تعصف بأحزانها فتؤرِّق في أعماق النفس شعورا ما يلبث أن يهدأ، مصيبة الفقد احساسٌ مُؤلم، وشعورٌ لا يطاق، قد لا يشعر به إلا من ذاق مرارته.
حدثٌ مُفجع وقع فجأةً فكان كالصاعقة، انهارت على أثره جميع قواي، أحسستُ وكأن رجفةً عظيمة حدثت بداخلي، لم أتوقع أن يخطف الموت روح أبي بهذه السرعة وهو بكامل صحته.

رحلَ أبي – رحمة الله عليه – وكأن رحيله كالحلم، رحل وكأنه في سفر ننتظر رجوعه بكل لهفة وشوق، رحل وترك خلفه فراغا كبيراً لا يمكن لأي شيء آخر أن يسده، أو يحل محله، كل زاوية من زوايا البيت تفتقدك يا أبي، وكل بُقعة منه تترقب رؤيتك. حتى مُصحفك الذي كان لا يفارقك، أتخيله وكأنه يبحث عنك، أشعر وكأن المسجد الذي كنت تلازمه في كل صلاة، يتفقد حضورك بين المُصلِّين، حتى أشجار النخيل في بستانك – التي طالما اعتنيت بها- أرى وكأنها قد شعرت بفقدك، فصارت تنتظر قدومك المعتاد إليها، كل شيءٍ يفتقدك يا أبي..

أتذكر أبي دائماً في وقت المساء وهو في فناء البيت (الحوش) مستلقيا على ظهره أحيانا وكأنه يتأمل في السماء، ومتكأً على أحد جانبيه أحيانا أخرى وكأنه يتحدث مع نفسه بصمت، وتارة أراه جالسا مُمسكا بإحدى يديه عددا من حبات الحصى وهو يلقي بها الواحدة تلو الأخرى، وكأنه – دون أن يُدرك – يعدُّ ما تبقى له من أيام، كنت أحياناً أقطع عليه خلواته فضولاً، للجلوس بقربه وللحديث معه. كان أبي دائم التفكر والتأمل في خلواته، وكان من بين ما يقوم به في خلواته قراءة بعضاً من آيات القرآن الكريم، وأحيانا أخرى كان يترنّم ببعض من أبيات الشعر الفصيح والقصائد الشعبية التي حفظها منذ سنين، لعله كان يجد متنفساً أو شعوراً بالارتياح في ذلك.

كان لدى أبي أسلوبا متميزا في سرد القصص والحكايات، وطالما أمتعنا بذلك، كان يسردها بأسلوبٍ شيّق، يجعلك تنصت إليه بكل حواسك دون ضجر أو ملل، وكانت قصصه وحكاياته تتضمن الحِكَم والعِبر، وبعضها كان يحوي طابع الخِفّة والفكاهة، ومن بين القصص التي كان يحكيها لنا؛ قصص كفاحه في مرحلة الشباب، وسفره، وغربته خارج الوطن. ولا زلت أتذكر أكثرها حتى الآن.

ما أجمل الذكريات التي جمعتنا بك يا أبي العزيز! لقد أحدث رحيلك أثراً عظيما من الشوق والحزن، رحلت عنا يا أبي، ورحل معك كل شيءٍ جميل، ولم تبق إلا ذكراك، سكن جسدك الطاهر في قبره، واستلقى هناك في نوم عميق أشبه بنوم الأحياء، لكنه إلى الأبد أزور قبرك بين الحين والآخر؛ لعلي أروي بداخلي ظمأ الشوق والحنين.
لا زال صوتك يتردد في مسامعي بين حينٍ وآخر، وطيفك يتراءى لي في مُخيلتي. حتى في أحلامي صرت أنت الحاضر دائما.

أحاول يا أبي أن أشغل نفسي لعلي أجد راحة في النسيان؛ لكني أشعر بروحك تتبعني أينما أكون. لقد كنت يا أبي سَندي ومُعيني وناصحي، وكنت الأمان في طريق الحياة، وملاذي وقت الشدائد، لقد كنت كل شيء لي يا أبي، فكيف لي أن لا أفتقدك..!.
كتبتُ فيك رثائي يا أبي رغم أني لست بشاعر، ولكن لأن الحدث جَلَل، والوقعُ عظيم؛ فقد فجَّر ذلك بداخلي كل القرائح، وهيَّج لديّ جميع الاحاسيس.

كلمات شوقي إليك لا تنتهي، وتعابير الفراق ذو شجون، ولا سبيل إلا الصبر والرضا بما قدر الله، فتلك سُنّة الله في خلقة، ولا مناص من الموت، ولا بد من الفراق، فدعائي لك يا أبي العزيز أن يُسكنك الرحمن فسيح جناته. ورجائي في الله أن يجمعنا بك في أعالي الجنان، في لقاءٍ تجتمع فيه الأرواح، وتتعانق فيه الأجساد بعد طول اشتياق، لقاءٌ لا فراق بعده، وخلودٌ في حياةٍ أبديةٍ سرمدية.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights