الموت في زمن البيانات

سليمان بن حمد العامري
مشهد العجز والدماء، إلى كل حر، إلى كل صاحب مبدأ وشريف… لقد شاب رأسي من هول ما أرى، وكدت أجن من مشاهد القتل والتشريد والجوع والذبح التي تُرتكب كل يوم بحق أمة كاملة. وأعلم أنكم، يا شرفاء العالم، تعانون أشد مما أعاني، ولديكم تساؤلات مشابهة: ما سبب الصمت؟ وهل هناك يد خفية تدير هذا العالم الجنوني؟ ما يحدث في العالم الإسلامي ليس حدثًا عابرًا، بل هو جرح مفتوح في قلب كل إنسان حي الضمير.
بيانات جوفاء لا تداوي. ألسنا اليوم أسرى لسطوة الصهاينة؟ انظروا إلى البيانات الرسمية والتصريحات الصادرة عن الدول الإسلامية وغيرها: فلا تُوجه إلى العدو الصهيوني، بل تقصد بها تهدئة الشوارع وطمأنة الشعوب، كأنها سحر لإيهام الناس بالتحرك والاستجابة، بينما الواقع أن الدماء تُسفك والدمار مستمر.
إن بيانات الاستنكار لا تداوي الجراح، بل تزيد الغصة، لأنها تذكير بالعجز والتخاذل.
الشعوب تتحرك وتنتفض، لكن أولئك القادرين على التغيير يظلون صامتين، وكأنهم غفلوا عن دماء الأبرياء.
الصمت الأخلاقي للأمم المتحدة هو ما يُضاف إلى المأساة، فإن الأمم المتحدة، التي طالما لبست قناع العدل ورفعت شعارات حقوق الإنسان، تقف اليوم صامتة أمام أفظع جرائم العصر في غزة. ذلك الصمت لم يكن حيادًا كما يُخيل، بل هو سقوط أخلاقي وانحياز مكشوف تجاه الاحتلال. فأي عدالة تلك التي تُرفع في المؤتمرات وتُدفن تحت ركام بيوت غزة؟
ليس هذا الصمت جديدًا؛ فقد رأيناه بالأمس في رواندا، وفي البوسنة، وفي كل مجزرة مرت دون حساب. لكنه اليوم أكثر قسوة، لأنه يعلن أن دماء البشر ليست سواء، وأن الإنسانية التي ينادون بها انتقائية، تُقاس بجواز السفر واللون والانتماء.
أين نحن؟ لم يعد السؤال: أين الأصوات التي يُفترض أن تحمي الحق؟ أين ضمائرنا، أين أصواتنا، أين أفعالنا التي تليق بحجم الكارثة؟ ألسنا نحن الذين سُنسأل يوم القيامة عن الدماء البريئة، بينما اكتفينا بالفرجة وانتظار بيانات جوفاء؟
فإلى متى هذا الصمت؟ أتريدون من الناس أن يصرخوا حتى يستغيثوا بالجن؟ ألم يحن الوقت ليتحرك أهل الأرض قبل أن يصب الله عليهم سخطه، كما صبه على الأمم السابقة؟
الرحمة بالعمل لا بالتصريحات، أيها الأحرار… إن الله لن يرحمنا يوم القيامة إن وقفنا مكتوفي الأيدي بكلمات جوفاء، تاركين دماء الأبرياء تذهب هدرًا. الرحمة تُطلب بالفعل، والنجاة بالعمل، لا بالتصريحات الفارغة .
فماذا نحن فاعلون؟



