سيرة مكتوم بن علي بن عبدالله بن علي الهنداسي (1855م – 1945م)

سعيد بن خميس الهنداسي
يُعَدّ مكتوم شخصية بارزة في مجتمعه آنذاك، إذ وُلِد عام 1855م في منطقة الغليل الساحلية التابعة لولاية السويق بمحافظة شمال الباطنة بسلطنة عُمان. وقد نشأ في بيئة جمعت بين ملامح الحياة البحرية والزراعية، وتربّى في أسرة عُمانية أصيلة ذات جذور راسخة وتاريخ عريق في السواحل العُمانية، وهي قبيلة الهنداسي. عاش في مجتمع يعتمد على الصيد والزراعة والتجارة البسيطة، فاكتسب منذ نعومة أظفاره مهارات متنوّعة صقلها بروح المسؤولية والصبر.
اشتهر مكتوم في شبابه بذكائه وفطنته، وكان من أعيان المنطقة ووجهائها البارزين، حيث شارك في شؤون القبيلة وأسهم في حل الخلافات، وعُرف بكرمه إذ لم تُغلق أبواب بيته في وجه الضيف، اتّصف بالشجاعة في المواقف، ولم يتردّد في قول الحق، وكان متديّنًا محافظًا على الصلاة وحضور مجالس الذكر، كما لعب دور الوسيط المحبوب في تسوية النزاعات القبلية، وحرص على توريث القيم الأصيلة لأبنائه وأحفاده؛ كالصدق والأمانة والاحترام. ولا تزال سيرته حيّة في ذاكرة كبار السن من قبيلته وأهل منطقته، يُتداول اسمه في المجالس والمناسبات مثالًا للرجل الأصيل، لما خلّفه من أثر طيب ومواقف مشرّفة.
وقد ارتبطت تلك المرحلة بشغفه الكبير بالزراعة، الذي فاق على ممارسته للصيد والبحر، حيث كان يرى ان الأرض رمزًا للعطاء، وقد توج ذلك بامتلاكه مزرعة بنفس المنطقة، بها مختلف المزروعات من نخيل وفواكه عديدة واعلاف حيوانية، ويتم سقي مزروعاتها عن طريق الجازرة، وكان يرى في النخلة خصوصًا رمزًا للبركة والصبر والكرامة، وظلّ يعتني بها ومتحدثًا عنها بفخر حتى غدت جزءًا من حياته اليومية ومصدر اعتزازه، ورمز دالّ على قيمة الزراعة والنخلة في وجدان العُماني، وكيف ارتبطت بالهوية والمكان، كما انزرع في شخصيته رقة المشاعر من حب الزراعة بشكل عام.
تزوّج من الفاضلة سليمة بنت سعيد بن راشد الهنداسية، وتعد من أسر أعيان البلد في تلك الفترة، وأنجب منها ابنه سالم. غير أنّ زواجهما لم يستمر طويلًا، ثم تزوّج من شيخة بنت سعيد الهنداسية، وأنجب منها جمعة وعلي. وقد عاش نحو تسعين عامًا، وتوفّي سنة 1945م إثر إصابته بمرض معدٍ، فاضطر أهله إلى بناء خيمة له في الجهة الغربية من أطراف بلدة الغليل (إسندان)، وكان يُقدَّم له الطعام في أوقات محددة. غير أن سكان الحارة هدموا الخيمة خشية العدوى، مما دفع شيخة بنت عبدالله بن حميد الهنداسية، زوجة ابنه علي، إلى نظم أبيات شعرية تعاتب فيها الأهالي على فعلتهم، قائلة:
مكتوم يشكوا منكم قصيرة أهل إسندان
شيخٍ تحتزم به لابته ويا زين وقفاته
قمتوا جشعتوا الخيمة ما سويتوا بيان
ما ذكرتوا له المعروف وهانت حياته
وثني وأولاد عمه هم صككوا البيبان
ما أنصفه الوقت والأيام علّنت وفاته
بس القدر ما عنه مفر ويا شين ما كان
ولو اليهد كان ينقسم بوزعه في فنجان



