الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

غزّة .. قلعة الرباط وصوت الكرامة

         محمد بن سعيد العلوي

غزّة التي أرادوا محوها ،غزّة ليست رقعةً صغيرةً على الخريطة تُمحى بقرارٍ جبان، ولا أحياءً تُهدم بآلة حربٍ غاشمة. إنّها قلبٌ نابض في جسد الأمة، وعقيدةٌ صلبة لا يطالها وهن، ومدرسةٌ في الصمود يتعلّم منها الأحرار معنى الكرامة. أرادها المحتل أن تختفي، فواجه بيوتًا متواضعة مشبعة بالإيمان، وقلوبًا أنهكها الحصار والجوع، لكنها لم تعرف الانكسار.

غزّة تحت الحصار… مأساة وصمود ..

منذ سنوات طويلة، تعيش غزّة حصارًا خانقًا أنهك الكبير والصغير: غذاء شحيح، دواء مفقود، وقود مقطوع، مياه ملوثة، ومنازل مهدّمة. المستشفيات تعمل بأقل من رُبع طاقتها، والمدارس تحوّلت إلى ملاجئ مكتظة، واستهداف لكل الصحفيين والإعلاميين الذين ينقلون للعالم المعاناه من أرض الواقع، تقارير أممية متواترة حذّرت من مجاعة وشيكة وانهيار الخدمات الأساسية.

ومع ذلك، يظلّ أهلها شامخين، يرفعون رأس الأمة كل يوم، يصدّق فيهم قول الله تعالى:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139].

غزّة… الثغر الأمامي للأمة ..

ليست غزّة شريطًا ساحليًا ضيقًا، بل هي خط الدفاع الأول في وجه مشروعٍ توسّعي لا يتوقف عند حدود فلسطين، بل لإحتلال الكثير من الدول العربية والتوسع الاستيطاني ومحاولات التهويد وسياسات الاقتلاع ليست إلا مقدمة لطمس هوية الأمة الإسلامية لبناء ما يسمى بإسرائيل الكبرى وهذا ما صرح به الصهاينه على الملأ.

وقد أخبر النبي ﷺ عن هؤلاء المرابطين:

«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لعدوّهم قاهرين، لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لَأْوَاء، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس …» [رواه مسلم].

أعزائي الكرام… في هذا الحديث العظيم يخبرنا الرسول ﷺ باستمرار هذا الدين والقائمين لله بالحُجَّة، من خلال طائفة تقوم بحمل همِّ هذا الدين والدفاع عنه، وأخبر أن هذه الطائفة منصورةٌ وظاهرةٌ، لا يضرهم خِذلان العدو والصديق، ولا خذلان من ترك نصرتهم ومعاونتهم، وهم كذلك حتى يأتي أمر الله؛ أي: الريح الطيبة تكون قبل قيام الساعة تقبض أرواح المؤمنين.

وإذا نظرنا إلى غزة وجدناها اليوم بحق من “أكناف بيت المقدس”، حيث يتجلى وعد الرسول ﷺ في صمودها.

الرباط… عبادة وصبر

الرباط ليس مجرد وجودٍ على الحدود، بل عبادة عظيمة يثيب الله عليها ثوابًا عظيمًا. قال النبي ﷺ:

«رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها» [رواه البخاري].

وأهل غزة يعيشون هذا الرباط رجالًا ونساءً وأطفالًا نصرتهم واجبة، والوقوف معهم شرف لا منّة، فهم يحرسون الأرض والدين بدمائهم وأرواحهم.

مسؤولية الأمة… امتحان الضمير

إنّ ما يجري في غزة ليس اختبارًا لأهلها وحدهم، بل امتحانٌ للأمة كلها. موقفنا منها هو مقياس صدق انتمائنا، ومرآة معدن قلوبنا.

النصرة ليست في السلاح فقط، بل في الكلمة الصادقة، والدعاء الخالص، والموقف الشريف، والمقاطعة، والدعم السياسي والإنساني والإعلامي.

غزّة فكرة لا تموت ..

في النهاية، تبقى غزّة قلعة الرباط وصوت الكرامة. قد يُدمَّر الحجر ويُهجَّر البشر، لكن الفكرة التي وُلدت من رحم العقيدة لا تُباد. غزّة اليوم ليست قضية فلسطينية فحسب، بل قضية إنسانية وأخلاقية وعقائدية للأمة كلها.

وستكتب في التاريخ بمداد الدم والإيمان: أنّ الفكرة لا تُقهر، وأنّ الأرض لا تُباع، وأنّ الرباط باقٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights