حين يعيد الوطن تعريف يومه
علي بن مبارك اليعربي
سلطانة… — أمة عظيمة تقف في أطراف الصحراء، تحتمي بذكرياتها الأولى، وتحتفل بما سمّته “عيد أمه”. كان اليوم مناسبة لاستذكار البدايات، والاحتفاء باللحظة التي وُضعت فيها أول لبنة في تاريخها.
ومع مرور الزمن، تغيّرت سلطانة.
اتسعت شوارعها، وارتفعت مبانيها، وازدادت قوتها الاقتصادية والاجتماعية. أصبحت أمة راسخة الحضور وسط جيرانها، لا تشبه صورتها القديمة إلا بقدر ما يشبه الإنسان صور الطفولة. ومع كل هذا التمدّد، ظل الاسم القديم حاضراً… لكنه لم يعد يعكس حقيقة ما أصبحت عليه سلطانة اليوم.
لقد بات احتفال سلطانة بما يُسمّى “عيد أمة” احتفالاً لا يتناسب مع حجم حضورها المعاصر. لم يعد اسم المناسبة قادراً على احتواء السرد الوطني الجديد الذي يتجاوز التأسيس ليعبّر عن الاستمرارية والتطور.
وفي يوم كأنه يوم من أيام الله لتلك الأمة تذكروا فيه نفحات الله عليهم وأن لله في أيام دهركم نفحات فكما أن نفحة الشخص شفاء من مرض أو سعة في رزق فإن للأمم أيضا أيام ونفحات فالنصر على عدو نفحة ونهضة مباركة نفحة ويوم من أيام الله حق لنا أن نحتفي به ونفخر به .
اجتمع حكماء الأمة (سلطانة) وقيادتها، وظهرت لديهم جليا قناعة واضحة بأن المرحلة التي وصلت إليها سلطانة تستدعي اسماً جديداً… اسماً لا يعبّر عن “لحظة ميلاد”، بل عن رحلة وطن بكل أبعادها.
وهكذا تقرّر تغيير المسمّى إلى “اليوم الوطني”.
لم يكن القرار شكلياً؛ بل كان تعبيراً دقيقاً عن أن الهوية الوطنية — في أي بلد — ليست حدثاً منفرداً، بل سلسلة ممتدة من البناء والتطوير والعمل والإنجاز. لم يعد الاحتفال مقتصراً على الماضي، بل أصبح احتفالاً بالحاضر، ونافذة تطلّ نحو المستقبل.
في مسيرة الأوطان، لا تكون التحوّلات الكبرى دائماً محصورة في سياسات أو مشروعات تنموية فقط؛ فبعضها يبدأ بتغيير اسم، أو إعادة تعريف مناسبة وطنية، أو مراجعة مصطلح اعتاده الناس. فالأسماء، في جوهرها، ليست حيادية كما قد يظن البعض، بل تحمل تاريخًا وتوجّهاً ورؤية. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى التحوّل من “ العيد الوطني ” إلى “ اليوم الوطني ” بوصفه خطوة رمزية تعكس مرحلة جديدة في وعي الهوية الوطنية ومعاني الاحتفال بها.
ولتمثيل هذا التحوّل، كان استحضار حكايتنا الرمزية لأمتنا المتخيّلة بسلطانة، وهي حكاية تلقي بظلالها على كثير من مسارات النمو التي تمر بها الأوطان.
دلالات التحوّل: ما وراء الاسم
يُظهر هذا التحوّل في الأوطان — مثل سلطانة — تنضج لغويًا ورمزيًا كما تنضج عمرانيًا واقتصاديًا. فالاسم الجديد:
يُوسّع إطار الاحتفال ليشمل المسيرة الوطنية كلها.
يعزّز الشعور بالانتماء عبر ربط اليوم بالحاضر، لا بالماضي فقط.
يعكس هوية حديثة تتحرك بخطى ثابتة نحو المستقبل.
يؤسس لمعنى شامل يجعل المناسبة رمزًا وطنيًا جامعًا لكل فئات المجتمع.
الأسماء هنا ليست تفاصيل؛ إنها بوابات للوعي العام. وهي تعبير صريح عن رؤية وطن يراجع لغته كما يراجع مشاريعه، ويعيد تعريف أيامه كما يعيد تشكيل مستقبله.
يومٌ يحمل الوطن كله
قصة سلطانة — على رمزيتها — تكشف حقيقة أن تطوير المصطلحات الوطنية ليس ترفاً لغوياً، بل ضرورة حضارية. فحين يتغير اسم مناسبة وطنية، فإنه لا يتغيّر لسبب شكلي، بل لأن الوطن نفسه يتحرّك نحو أفق جديد.
وهكذا يصبح “ اليوم الوطني ” أكثر من مجرد تاريخ على التقويم؛ بل إنه يوم من أيام الله عليها ونفحة منه لنا حق علينا أن نشكره سبحانه وتعالى عليها.
إنه يوم تتقاطع فيه الذاكرة مع الطموح، ويقف فيه الوطن أمام ذاته ليقول:
ما زلتُ أواصل الطريق… وما أزال أكتب فصول حاضري ومستقبلي بأحرف تليق باسمي.
فأنا وطن ولي يوم



