سلامٌ يحاصر غزة… يقتل الأطفال ويُكمِّم الأفواه بين خطاب السلام وصمت الشارع… كيف تُدار مأساة غزة بالنسيان؟
علي بن مبارك اليعربي
لم تعد مأساة غزة غائبة عن الأخبار بقدر ما غابت عن الوجدان العام. فالصمت الذي يحيط بها اليوم لا يقل قسوة عن الحصار المفروض عليها، بل يشكّل امتدادًا له. حين تُقصف البيوت، ويُقتل الأطفال، ثم تمرّ الصور مرورًا عابرًا في نشرات الأخبار ومنصات التواصل دون أن تُحرّك موقفًا أو نقاشًا عامًا جادًا، نكون أمام ظاهرة أخطر من العدوان نفسه: تطبيع الصمت.
تحت لافتة السلام والأمن الدولي، تُدار مأساة غزة بوصفها ملفًا قابلًا للاحتواء، لا قضية تستدعي مساءلة حقيقية. تُرفع شعارات التهدئة، وتُسوَّق ترتيبات سياسية، بينما يبقى الواقع على حاله: حصار طويل، وعدوان متكرر، وحياة يومية معلّقة على احتمالات القصف والانقطاع والحرمان. وفي مقابل هذا الواقع، يتسع الفارق بين حجم الكارثة وحجم التفاعل الشعبي معها، حتى يبدو وكأن الألم فقد قدرته على إيقاظ الضمير العام.
السلام، في معناه الإنساني، يفترض أن يكون حماية للمدنيين وضمانًا للحقوق الأساسية. غير أن ما يجري في غزة يكشف عن استخدامٍ انتقائي لهذا المفهوم؛ حيث يُختزل السلام في غياب ردّ الفعل، ويُقاس الاستقرار بمدى انخفاض الضجيج الإعلامي، لا بوقف الانتهاكات أو رفع المعاناة. وهكذا يتحول الصمت، رسميًا وشعبيًا، إلى عنصر مكمّل للمشهد، لا نتيجة عرضية له.
ولا يمكن فصل هذا الصمت الشعبي عن السياق السياسي والإعلامي العام. فحين تُقدَّم غزة باستمرار بوصفها “قضية معقّدة”، وحين يُعاد إنتاج خطاب يُساوي بين الضحية والجلاد، يتراجع الإحساس بالمسؤولية، ويحلّ محله شعور بالعجز أو اللامبالاة. ومع الوقت، يتحول التناسي إلى حالة اعتيادية، وتصبح المأساة جزءًا من الخلفية اليومية، لا صدمة أخلاقية تستدعي الفعل.
الأخطر في هذا المسار هو تكميم الأصوات التي تحاول كسر الصمت. فكل خطاب نقدي يُطالَب بالتخفيف، وكل تضامن يُواجَه بالتشكيك، وكأن المشكلة ليست في استمرار القتل والحصار، بل في من يذكّر بهما. هكذا لا يُكمَّم الحديث عن غزة بالقوة وحدها، بل بالإرهاق، والتجاهل، والتطبيع البطيء للألم، حتى يفقد الاحتجاج معناه، ويبهت الغضب قبل أن يتحول إلى موقف.
غزة ليست استثناءً إنسانيًا، ولا عبئًا على السلام، بل معيارًا لصدقيته. وكل سلام لا ينجح في حماية أطفالها، ولا يرفع الحصار عن سكانها، ولا يضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة، هو سلام يفتقد جوهره. كما أن الصمت الشعبي، مهما كانت مبرراته، لا يعفي من المسؤولية الأخلاقية، بل يضيف طبقة أخرى من العزلة على شعب محاصر أصلًا.
الواجب تجاه غزة لا يبدأ من الشعارات، بل من استعادة الحسّ العام بالقضية، ورفض اختزالها في خبر عابر أو ملف مؤجل. واجب يقتضي مساءلة خطاب السلام حين يتحول إلى غطاء، ومساءلة الصمت حين يصبح شريكًا غير معلن في استمرار المأساة.
في النهاية، ليست المأساة في غزة وحدها، بل في المسافة المتزايدة بينها وبين ضمير العالم. حين يُقتل الأطفال ولا يهتز الخطاب، وحين يُحاصر شعب بأكمله ولا يُراجَع مفهوم السلام، يصبح الصمت موقفًا لا حيادًا. وكل تأجيل للمساءلة، وكل تبرير للواقع القائم، هو مشاركة غير مباشرة في استدامته. إن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس القصف وحده، بل أن تعتاد الإنسانية عليه، وأن يُعاد تعريف السلام بوصفه القدرة على تجاهل الألم لا إنهاءه. وعند هذه النقطة، لا تعود المشكلة سياسية فقط، بل أخلاقية بامتياز.



