نقطة آخر السطر ..

صالح بن سعيد بن صالح الحمداني
في لحظة ما من حياتك ستشعر بثقل لا يُحتمل تنهار فيه قواك وتتبعثر فيها مشاعرك وتفقد بوصلتك لحظة انكسار قد تكون بسبب خيبة وخذلان أو حتى صدمة لم تكن في الحسبان، وفي هذه اللحظة تتجه أنظارك وغريزتك نحو أولئك الذين كنت تظنهم السند والعون، أولئك الذين ظننت أنهم لن يتركوا يدك مهما ثقلت ولن يشيحوا بوجوههم عنك مهما تبدلت الظروف لكنك ويا للأسف لا تجدهم.
إنهم ببساطة انغمسوا في زحام الحياة انشغلوا بأولوياتهم أو اكتشفوا أن حضورهم في حياتك لم يكن سوى واجب لحظي لا رابط حقيقي، ترى مقاعدهم فارغة ووعودهم تبخرت مع أول عاصفة، تصحو حينها على حقيقة جارحة أن من كنت تظنه الأمل كان وهماً وأن من كنت تعتقد أنه “ظهرك” لم يكن سوى عابرٍ في فصولك المؤقتة.
في هذه اللحظة لا داعي للعتاب لا تلجأ إلى الشرح ولا تجهد روحك في طلب التبريرات، ضع نقطة في آخر السطر لملم خيبتك واحزم أمتعتك واغلق الباب بهدوء.
لا تطلب الإذن فقط ارحل لأن من لا يجد لك موطناً في حياته لا يستحق أن تبقى ضيفاً عابراً في عالمه لا تستجدي الاهتمام ولا تصرخ في وجه الغياب فالكرامة لا تطلب إذناً لتغادر بل تغادر بصمت مهيب.
في زحام هذه الحياة كثيرون يرتدون قناع “الصديق”، ويتقنون فن الكلام المنمق ويبرعون في إرسال الرسائل الوردية المليئة بالوعود والاهتمام المصطنع لكن الصديق الحقيقي يُعرَف وقت الشدة لا في لحظات المجاملة الصديق هو من يصدقك الفعل لا من يصدقك بالقول فحسب، من يرى ضعفك ولا يستغله، من يرى ألمك ويسارع لاحتضانك لا للحكم عليك، فالصداقة الحقيقية ليست شعاراً.
العزيز هو من يتألم حين تتألم من يخاف عليك من تقلبات الزمان لا لأنه ملزم بذلك بل لأنه لا يعرف طمأنينة ما دمت مهموماً، هو من يفهمك بلا كلمات ويحميك بلا مطالب ويدافع عنك دون أن تنتظره هذا الصنف من الناس قليل ونادر لكنه موجود وعليك أن تحرص عليه كما تحرص على قلبك.
كم من أشخاص زخرفوا لنا الكلام وكتبوا لنا أرقى الفقرات وجعلونا نشعر وكأننا الأهم في هذا العالم؟ وكم من هؤلاء حين احتجناهم اختفوا؟ إنّ أخطر أنواع الخداع ليس ما يأتيك من الأعداء بل ما يأتيك من الأقرباء الذين يتقنون فن التزييف، الكلمات الجميلة لا تكفي بل الافعال الصادقة.
هناك من يرفعك بكلماته لأنه يعجز عن أن يرفعك بأفعاله يصفك بأنك الأفضل لأن ذلك يخدم صورته لا صورتك، يصفق لك لا لأنك تستحق التصفيق بل لأنه لا يملك شيئاً سوى التصفيق، بينما في أعماقه قد لا يكن لك المحبة ولا الاحترام الذي يوهمك به، إنهم كمن يراك تتعثر فيبتسمون لأنك لم تسبقهم لا لأنهم يخشون عليك.
أولئك لا يحتاجون لفرصة ثانية لا تبرر لهم ولا تحاول تغييرهم فقط ضع نقطة، وفي هدوء غادر.
كن حازماً مع من استهان بك ومع من جعل حضورك في حياته أمراً ثانوياً، فالعلاقات الصحية لا تقوم على التبرير المتواصل ولا على العطاء الأحادي.
حين تغلق باباً قد تفتح لنفسك نوافذ جديدة لا تبكِ على من لم يحزن لفقدك ولا تندم على من لم يبذل من أجلك، الحياة مليئة بأرواح نقية تنتظر فقط أن تفتح لها الباب بينما أنت منشغل بمن أغلق بابه في وجهك، اعلم بإن الرحيل أحياناً بداية جديدة.
تعلم أن تقدر ذاتك وأن تحترم شعورك، أن تكون وفياً لنفسك أولاً ليس الأنانية، بل هي البصيرة الصادقة، بأن تعطي من يستحق وتمنح من يُقَدِّر وتبتعد عن من يتعامل معك كخيار مؤقت.
كل تجربة خذلان هي درس وكل انكسار هو طريق نحو القوة لا تدعهم يسلبونك نقاءك، لكن لا تسمح لهم أن يبقوا في مساحتك أكثر مما يجب فمن لا يعرف قيمتك في حضورك، لن يعرفها في غيابك.
حين تمتد يدك وتجد الهواء بدلاً من الأيادي لا تنكسر فقط تذكر أن الحياة تمضي، وأن كرامتك أثمن من أي علاقة مصطنعة، لا تُطِل الوقوف على الأطلال فالحياة قصيرة جداً لأن تهدرها في انتظار من لن يأتي.
ضَع نُقطة ولتكن تلك النقطة بداية لسطور جديدة تكتبها مع من يستحق، مع من يكون في أيامك الصعبة قبل السهلة مع من يسندك لا من يسقطك، مع صديق وفي وأخ كريم ورفيق صادق ومحب أمين واجمع كل الصفات في من يكون أخ لك لم تلده أمك.
الرحيل ليس ضعفاً بل قوة مختزنة في قلبٍ نضج من الألم وتعلّم أن السند الحقيقي هو الله ثم ذاتك.



