الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

الهجرة الكبرى: من أنفسنا القديمة إلى أرواحنا المتجددة

عادل بن حميد الجامعي

كتاب صغير – بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة 1447هجري

  الباب الأول : النفس التي نحن إليها.. والعادة التي نحن فيها

نحن لا نولد بنقائصنا، بل نكتسبها، كل عادة سيئة علقت بنا، كانت في يومٍ ما خيارًا غير مدروس، تكرّر حتى صار مألوفًا، ثم تلبّس بنا حتى حسبناها نحن.

وهكذا، ببطء يشبه الموت السريري، تصير أنفُسنا سجينة في جلود اعتادت ما لا يليق، فلا تستيقظ إلا على صفعة، ولا تنتفض إلا إذا أرهقتها الفجائع.. -سلمنا الله- لكننا هنا، لا ننتظر الفاجعة.

نحن نكتب، وننوي، ونتهيّأ، لأن الهجرة النبوية الشريفة لم تكن فرارًا من خوف، بل إقبالاً على قدر.

 الباب الثاني: هجرة سيدي محمد ﷺ.. وهجرتنا

النبي الحبيب-صلى الله عليه وسلم- لم يخرج من مكة وهو يكرهها، بل خرج وهو يُحبها، ولكنه خرج لحبٍّ أعظم فيما أمره الله به.

وهنا درس الهجرة العظيم :

الهجرة لا تكون من الكراهية، بل من الوفاء لما هو أسمى، فنحن نُهاجر من الكسل إلى النشاط،

لا لأننا نكره الراحة، بل لأننا نُحب الإنجاز، نُهاجر من الغضب إلى الحِلم، لأن الغضب يجرح من نُحب، والحِلم يجبر من كاد أن ينكسر منا، نُهاجر من اللهو إلى الذكر، ومن السطح إلى العمق، ومن الرغبة إلى الرسالة، نُهاجر كما هاجر سيد الخلق، بتدرج، وحنكة، وصبر،

وتوكلٍ محضٍ يذوب فيه العبد بين يدي ربه.

 الباب الثالث : المهاجر الداخلي.. وبوصلة الروح

كلٌّ منّا فيه مكة وفيه المدينة.. فيه أماكن محببة، يودّ البقاء فيها، وفيه واحات بعيدة، لا يعرف قيمتها بعد.

 مكة فينا هي العادة، والارتياح، وما نألف، أما *طالمدينة* فهي النفس التي لم نبلغها بعد، هي النسخة التي قد نكونها.. لو أنّا أقدمنا.

وما بينهما.. الغار.. في الغار يتوقف الزمن، ويسكن الضجيج، ويُختبر الإيمان.

فهل سنثق أن الله معنا ؟

هل سنصدّق أن الخطوة الصعبة التي نخشاها، قد تفتح لنا بابًا لم نكن نحلم به؟

  الباب الرابع : خارطة الهجرة

 أول الطريق: قرار.

  منتصف الطريق: صبر.

* آخر الطريق: فتح.

الهجرة ليست حركة جسد فقط، بل حركة وعي، الهجرة أن تودّع نفسك القديمة، كما يودّع المهاجرُ مدينة الطفولة، يعلم أنه لن يكون بعد العودة كما كان قبلها.

اكتب عاداتك التي تؤلمك، ثم احرقها بنار النية، واقطع الطريق الجديد بالصلاة، والدعاء، والاستغفار، والصحبة الصالحة، والأهداف النبيلة.

   تذكّر :

لم يكن الطريق من مكة إلى المدينة مفروشًا بالورد، لكنه مفروشٌ الآن بملايين الأرواح التي نذرت نفسها للخير؛ لأن سيدنا محمدًا ﷺ مشى فيه.

 الباب الخامس : بداية العام، وبداية النفس

ها نحن على عتبة عام هجري جديد.. فلا تجعله امتدادًا لأعوام الشكوى، اجعله امتدادًا للنية الطيبة، للخطوة الصادقة، للحياة التي تستحق أن تُعاش.

في الهجرة النبوية، الزمن لم يُقسَم بين ليل ونهار، بل بين عهدٍ قد انقضى، وعهدٍ قد بدأ.

 فلتبدأ عهدك.

كن المهاجر الذي لا يحمل على ظهره إلا ما يُعينه، ويترك خلفه كل ما يُعيقه.. وكن الأنصاري الذي يفتح قلبه لنفسه الجديدة، ويقول لها: مرحبًا بك، يا نفسي التي أرجو بها الله.

 الخاتمة : وَهَاجِرُوا إِلَى اللَّهِ

الهجرة لا تزال فريضة، فريضةُ التخلّي عمّا يشدّنا إلى القاع، والتعلّق بما يرفعنا إلى السماء.. فإن لم تكن هاجرتَ من نفسك بعد، فاعقد العزم، واخلُ بنفسك، وقل لها: يا نفس، آن لك أن تنهضي.. كفى سباتًا، كفى دورانًا في الدوائر.. إلى المدينة نُسافر.. إلى الله نهاجر.

اللهم اجعل لنا من هجرتنا هذه نصيبًا في القرب منك، وفي الصدق مع أنفسنا، وفي بلوغ الغايات النبيلة، وفي سكنى الجنان مع من هاجر إليك صدقًا، سيدنا محمد ﷺ وآله وصحبه أجمعين.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights