الإبل السائبة .. كارثة تتكرر وأرواحٌ تدفع الثمن

محمد بن سعيد العلوي
لم تعد ظاهرة الحيوانات السائبة، وعلى وجه الخصوص الإبل، مجرد مشهدٍ عابر على الطرقات أو قضيةٍ موسمية تُثار بين حينٍ وآخر، بل أصبحت خطرًا حقيقيًا يهدد الأرواح ويزرع المآسي في البيوت، حتى غدت الحوادث الناتجة عنها تتكرر بصورةٍ مؤلمة تكاد لا تنقطع.
فكم من أسرةٍ فقدت عائلها؟
وكم من زوجةٍ ترمّلت؟
وكم من طفلٍ أصبح يتيمًا بسبب حادثٍ مأساوي كان سببه حيوانٌ تُرك هائمًا في الطريق بلا رقابةٍ أو مسؤولية؟
إنها ليست مجرد حوادث مرورية، بل كوارث إنسانية تُغلق بها البيوت، وتُكسر معها القلوب، وتُدفن أحلام أسرٍ كاملة في لحظة إهمال.
المؤلم في الأمر أن بعض أصحاب هذه الحيوانات ـ إلا من رحم الله ـ لا يتحركون إلا عندما تكون مصالحهم حاضرة، فإذا وقع الحادث نهارًا سارع البعض بالمطالبة بالتعويضات والحقوق، حتى وإن كان السائق قد فارق الحياة، أما إذا وقع الاصطدام ليلًا اختفى البعض وتنصلوا من المسؤولية، وكأن تلك الحيوانات لا تعود إليهم.
ولعل من أكثر المشاهد إيلامًا ما تعرّض له أحد المواطنين مؤخرًا، حين فوجئ ليلًا بإبلٍ سائبة تقطع الطريق بصورةٍ مفاجئة، لينتهي الأمر بحادثٍ مروّع خلّف أضرارًا جسدية ونفسية جسيمة، وكاد أن يحوّل حياة أسرته إلى مأساةٍ لا تُنسى. وما زاد الوجع أن صاحب الإبل اختفى بعد الحادث، ولم يظهر لتحمّل المسؤولية أو مواجهة الإجراءات القانونية، وكأن الأرواح التي تُزهق والخسائر التي تُخلّفها هذه الحوادث لا قيمة لها.
فإلى متى يبقى الأبرياء يدفعون ثمن الإهمال؟
وإلى متى تتحول الطرقات إلى ساحات خطرٍ مفتوحة بفعل الاستهتار وغياب الضمير؟
إن المسؤولية هنا ليست قانونية فحسب، بل أخلاقية ودينية وإنسانية قبل كل شيء. فقد عظّم الإسلام حرمة النفس البشرية أعظم تعظيم، قال تعالى:
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا) سور الإسراء الآية (٣٣).
كما قال رسول الله ﷺ:
«لا ضرر ولا ضرار»
وقال ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته»
فهذه النصوص العظيمة تؤكد أن الإنسان مسؤول عن كل ضررٍ يتسبب به للآخرين، وأن حفظ الأرواح واجبٌ شرعي وأخلاقي لا يقبل التهاون أو الإهمال.
وفي المقابل، لا بد من الإشادة بالفئة الواعية من مُلاك الإبل الذين أدركوا حجم المسؤولية والأمانة، فقاموا بتربية إبلهم في أماكن آمنة ومخصصة بعيدًا عن الطرقات والأحياء السكنية، ومنعوا ضررها عن الناس، فكانوا نماذج مشرّفة في الوعي والحرص على سلامة المجتمع.
أما المستهترون الذين يتركون حيواناتهم السائبة تعبث في الطرقات دون مبالاة، فإنهم يتحملون مسؤولية عظيمة أمام الله ثم أمام القانون والمجتمع، لأن الإهمال إذا أدى إلى إزهاق الأرواح لم يعد مجرد خطأٍ عابر، بل أصبح جريمة أخلاقية وإنسانية لا يمكن تبريرها.
إن الطرقات لم تُنشأ لتكون مراعي مفتوحة للحيوانات السائبة، وأرواح الناس ليست ثمنًا يُدفع نتيجة الإهمال واللامبالاة. فالمشهد المؤلم يتكرر بصورةٍ تدمي القلوب؛ مركباتٌ محطمة، وجثامين تُنتشل من بين الحطام، وأطفالٌ ينتظرون آباءهم الذين لن يعودوا أبدًا، وأمهاتٌ يذرفن الدموع على فلذات أكبادهن، وكل ذلك بسبب حيوانٍ تُرك في الطريق بلا رقيب.
ومن هنا، فإن الحاجة أصبحت ملحّة إلى وقفةٍ حازمة من الجهات المعنية لتغليظ العقوبات بحق المتسببين في تسريح الحيوانات السائبة، وفرض غراماتٍ صارمة، ومحاسبة كل من يستهين بأرواح الناس، ومعاقبة كل من يثبت تهاونه أو تقصيره في تطبيق الأنظمة المرتبطة بهذه الظاهرة، إلى جانب تكثيف الحملات الرقابية، وتركيب وسائل حماية على الطرق المعرّضة لعبور الحيوانات، خصوصًا في المناطق التي تفتقر إلى الإنارة في الطرق الفرعية، مع إيجاد حلولٍ عملية تسهم في الحد من هذه الكارثة المتكررة.
ورسالتنا الأخيرة إلى كل صاحب إبلٍ أو حيوانٍ سائب: كيف يهنأ لك عيشٌ وأنت تعلم أن إهمالك قد يكون سببًا في ترميل امرأة، أو تيتيم طفل، أو إنهاء حياة إنسانٍ خرج يبحث عن رزقه ولم يعد إلى أهله؟
أما تخشى دعوة مظلوم ويتيم؟
أما تخاف الوقوف بين يدي الله يوم تُسأل عن كل روحٍ أُزهقت بسبب تقصيرك؟
اتقوا الله في أنفسكم وفي الناس…
فالأرواح أمانة، والدماء عند الله عظيمة، ولحظة استهتارٍ واحدة قد تكتب نهاية حياةٍ كاملة، وتترك خلفها وجعًا لا تداويه الأيام ولا ينساه القلب.


