الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

صنّاع محتوى أم صنّاع الرأي العام؟

إيمان بنت قاسم الشرقية

يُعدّ مؤثرو مواقع التواصل الاجتماعي العمود الأبرز في تشكيل معالم المشهد الرقمي المعاصر. ولم يعد تأثيرهم مقصورًا على التسلية، بل بات يسهم في تشكيل آراء الناس، وتحريك سلوكهم، وتوجيه اختياراتهم اليومية وأنماط استهلاكهم. ومع اتساع هذا الدور، يبرز سؤال جوهري: أين تنتهي حرية التعبير التي يتمتعون بها، وأين تبدأ مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه جمهورهم والمجتمع؟

يعبّر المؤثرون عادةً عن أفكارهم وتجاربهم بصراحة، ويروون قصصهم بأسلوب يشعر معه المتابع وكأنه يحادثهم وجهًا لوجه. هذا القرب يمنحهم تأثيرًا واسعًا، إذ قد ينتشر منشور أو مقطع فيديو انتشار النار في الهشيم. ولم يعد دورهم مقتصرًا على الرأي الشخصي، بل تحوّلوا إلى منصات إعلامية تصل إلى آلاف أو ملايين المتابعين، وتحوّل تجاربهم وآراءهم إلى خطاب عام يمسّ المجتمع بشكل ملموس.

هذا الواقع يجعل الحديث عن مسؤولية المؤثرين أمرًا لا غنى عنه. فعندما يتحول الكلام الفردي إلى قوة جماهيرية، لا يمكن عزله عن أثره الاجتماعي والأخلاقي. فكل مشاركة، نصًا كانت أو صورة أو مقطع فيديو، تمتلك القدرة على تغيير أفكار الآخرين وسلوكهم، ما يحمّل المؤثرين عبئًا أكبر ومسؤولية مضاعفة تجاه جمهورهم.

ويضع هذا التأثير الكبير المؤثرين أمام تحدٍّ حقيقي يتمثل في الفجوة بين القيم الأخلاقية والبيئة التنظيمية التي يعملون ضمنها. ففي حين يخضع الإعلام التقليدي لمعايير مهنية واضحة، غالبًا ما ينشط المؤثرون خارج أي إطار محدد يفرض عليهم المساءلة أو الالتزام بضوابط صارمة. ونتيجة لذلك، قد تظهر ممارسات مؤذية، مثل تداول معلومات غير دقيقة، أو الترويج لمنتجات وأفكار دون التحقق من مصداقيتها أو دراسة آثارها المحتملة على الجمهور.

وفي هذا السياق، يصعب تجاهل العلاقة الوثيقة بين الحرية والمسؤولية في الفضاء الرقمي. فحرية التعبير لا ينبغي أن تُتخذ ذريعة للإفلات من المسؤولية الاجتماعية أو لتجاهل العواقب المترتبة على المحتوى المقدَّم. وكلما اتسعت قاعدة المتابعين، تعاظمت المسؤولية الأخلاقية، وازدادت الحاجة إلى وعي أعمق بالكلمة والصورة وتأثيرهما في الوعي العام.

ومن جانب آخر، تتحمل المنصات الرقمية نصيبًا من المسؤولية في هذه المعادلة. فرغم استفادتها الاقتصادية الكبيرة من محتوى المؤثرين، نادرًا ما تضع معايير أخلاقية واضحة تضمن حماية الجمهور. كما أن غياب تنظيم صريح لمكافحة التضليل والإعلانات المربكة يزيد من تعقيد المشهد.

ولا يمكن إغفال دور الجمهور نفسه؛ فالمستهلك الرقمي قادر على الإسهام الفاعل من خلال دعم المحتوى الجيد والمفيد، والتساؤل الدائم حول مصداقية ما يُقدَّم له، والامتناع عن التفاعل مع المحتوى المضلل أو المسيء. فالعلاقة بين المؤثر وجمهوره ليست أحادية الاتجاه، بل هي علاقة تفاعلية يتشارك فيها الطرفان التأثير والمسؤولية.

إن الحاجة باتت مُلحّة لتعزيز ثقافة رقمية أخلاقية تقوم على الشفافية والمصداقية واحترام عقل ووعي المتابعين. وليس الهدف من ذلك فرض قيود قاسية على حرية الإبداع والتعبير، بل تحقيق التوازن بين حرية الفرد وحماية القيم المجتمعية والوعي الجمعي.

وفي الختام، لم يعد المؤثر مجرد صانع محتوى رقمي، بل غدا فاعلًا اجتماعيًا وإعلاميًا يسهم بشكل مباشر في تشكيل وعي الناس وقيمهم. ويكمن التحدي الأكبر في الانتقال من التأثير العشوائي إلى التأثير المدروس والمسؤول، إذ إن مستقبل الإعلام الرقمي لا يعتمد على أعداد المتابعين بقدر ما يعتمد على جودة المحتوى وارتباطه بالمسؤولية تجاه المجتمع

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights