الخميس: 12 مارس 2026م - العدد رقم 2852
مقالات صحفية

حين تصبح الحقوق واقعًا ملموسًا… عُمان التي نعيشها

حمدان بن هاشل العدوي
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء

لم تعد الحقوق بالنسبة لي فكرةً مجردة تُتداول في المناسبات، ولا عناوين تُكتب في التقارير الرسمية، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، تُقاس بمدى القدرة على الحركة، والتعلّم، والعمل، والمشاركة، والشعور بالكرامة. في عُمان اليوم، هناك فارق واضح بين ما كان يُقال وما نلمسه على أرض الواقع، وهو فارق صنعته إرادة سياسية واعية، ورؤية وطنية تضع الإنسان في قلب أولوياتها.

في ظل الحكومة الرشيدة بقيادة حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم – حفظه الله ورعاه – برز توجّه صادق نحو ترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وجعل الحقوق ممارسةً يومية لا مجرد نصوص. وقد تجلّى هذا التوجّه بوضوح في صدور المرسوم السلطاني رقم (٩٢/٢٠٢٥) بإصدار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، الذي مثّل تحوّلًا نوعيًا في طريقة التعاطي مع قضايا الإعاقة، من منطق الرعاية إلى منطق التمكين، ومن الاستثناء إلى الشمول.

هذا المرسوم لم يكن إضافةً تشريعية فحسب، بل رسالة طمأنينة مفادها أن الاختلاف لا ينتقص من المواطنة، وأن الكرامة ليست امتيازًا بل حقًّا أصيلًا. فمن خلاله بات الحق في التعليم الدامج، والعمل اللائق، والرعاية الصحية، والوصول إلى المرافق والخدمات العامة، جزءًا من منظومة قانونية واضحة تضمن الحماية وتفتح آفاق المشاركة الفاعلة في المجتمع.

وعلى المستوى العملي، بدأت هذه الرؤية تجد طريقها إلى الواقع عبر تطوير السياسات التعليمية، وتحسين بيئات العمل، وتوسيع برامج التأهيل والتشغيل، وتسهيل الوصول إلى المرافق العامة. كما أسهمت الجهود التوعوية في إحداث تحوّل تدريجي في نظرة المجتمع، ليصبح الحديث عن الإعاقة أقرب إلى الحديث عن القدرة، وعن الإنسان قبل أي توصيف آخر.

وما يميّز التجربة العُمانية أن هذا الاهتمام لم ينطلق من منطق الشفقة أو المعالجة المؤقتة، بل من إيمان راسخ بأن التنمية لا تكتمل إلا بمشاركة جميع أبناء الوطن. فالتكامل بين المؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني، وتنامي المبادرات الداعمة للدمج، يعكس وعيًا متقدمًا بأن العدالة الاجتماعية ليست خيارًا بل ضرورة وطنية.

إن المرسوم السلطاني رقم (٩٢/٢٠٢٥) لم يغيّر القوانين فحسب، بل غيّر الإحساس بالانتماء، ورسّخ شعورًا بأن هذا الوطن يرى أبناءه جميعًا ويؤمن بقدرتهم على العطاء مهما اختلفت ظروفهم. ففي عُمان التي نعيشها اليوم تصبح الحقوق واقعًا ملموسًا، وتغدو الكرامة لغةً مشتركة، ويغدو الإنسان، كل إنسان، محور النهضة وغايتها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights