في حب الوطن

أحمد بن سالم الفلاحي
[email protected]
جميعنا بلا أستثناء نرى في الوطن الحبيب هذا البقاء السرمدي بلا منازع، ونرى فيه هذا الإمتداد الأفقي مساحة؛ بلا نهاية، ونرى فيه هذا العمق الشديد معنى؛ بلا أنقطاع، نرى كل ذلك فيه، ونراه شاهدا من شواهد الكون الماثلة بلا زوال، نرى كل ذلك حيث يزداد يقيننا بمفهومه حسا ومعنى، يكبر فيه الحلم، وتتحقق فيه الأمنيات، ويبقى، مهما كانت أحوال ظروفه، رصيدا دائما بكل مناخاتها: الإنسانية، والتاريخية، والحضارية، وقيمه معتقداته، ولن ينفك عن احتوائه لكل ذلك مهما قسا عليه الزمن، ومهما ابتعد عنه محبوه وكارهوه، أنه الوطن، وانه البقاء، وإنه الحب، وإنه الرضى، وإنه النضال، وإنه الجهاد، وإنه التضحيات بكل مستوياتها، وأنواعها، وإنه العين، وإنه البصيرة، وإنه القلب، وإنه الفؤاد، وإنه الذكرى، وإنه الحنان، وإنه الاستقرار، “وطني لو شغلت بالخلد عنه: نازعتني إليه في الخلد نفسي”.
هذه هي الصورة التي يمتزج فيها المعنى المادي والمعنوي، التي تعكس معنى الوطن، وهذه هي الصورة الماثلة له منذ أن عرف معنى الوطن، وهذه هي الصورة التي لن يخلو الوطن من أحد معانيها مهما قست على الناس الظروف فأبعدتهم عن الوطن، أو أبتعدوا هم عنه قسرا، فليس هناك خيار جميل يمكن أن يساهم في البعد عن الوطن، فالوطن كل خياراتها الباقية والدائمة جميلة ورائعة، مهما بدت للبعض أن لامستها عوامل مشوشة، فالوطن أنشودة أزلية رائعة العزف، حالت دون تغريبها أنفس بذلت نفسها فداء للوطن، وأراقت دماءها فداء للوطن، لليقين أن الوطن ينبت أنفسا أخرى أكثر تضحية، ولليقين أن الوطن يتغذى بهذه الدماء الطاهرة التي انسكبت فداء له على الأرصفة، وعلى قمم الجبال الشاهقة، وما بين دهاليز الخنادق المظلمة، على تخوم حدوده المشتعلة نارا وقادا بدماء هؤلاء الأبطال الذين يعرفون للوطن قيمته، وللوطن مكانته، وللوطن صولجانه.
يقينا لن تكون هذه الصورة ماثلة أمام مرأى الجميع، فهناك من يفتقد الصور الحقيقية للوطن، ولذلك تراه يجازف باغتيال الوطن، وعليهم العتبى مهما كانت المبررات والأسباب، لأن جل المبررات والأسباب التي تقسو – في المقابل على أبناء الوطن – أساسها هم البعض من أبناء الوطن، حيث تذهب بهم الاجتهادات الخاطئة إلى إمتطاء صهوات المحن، ومع ذلك إن هم استغفروا وتابوا كان ولا يزال لهم الوطن الحضن الدافئ، والمآل الرضي، وما أكثر أخطائنا تجاه الوطن، ويبقى للوطن دين مستحق مهما كانت التضحيات، ومهما تعالت أصوات النداء باحتضان الوطن: “وللأوطان في دم كل حر: يد سلفت ودين مستحق”.
عمان حيث المبتدأ والمنتهى هذا الوطن العزيز الذي يضم اليوم (50) عاما منذ نهضته المباركة جاءت لتروي نهم صعوده، وتألقه، نهم بقائه واستمراره، نهم سكونه وأمنه، نهم تسامحه ورضاه، نهم علو شأنه وسموه، نهم انسانيته وخلقه، فهذا وطن لن يكون إلا بهذه الصورة، ولذلك تقلق أبناؤه أية صورة مغايرة، ومتى ما بدأ يتلاشى شيئ من مكونات هذه الصورة تكون هناك حالة استنفار تربك المشهد، وهذا ما لا يسعد الجميع، فالجميع هنا لا ينفكون عن الحرص على المحافظة على أن تبقى عمان اللؤلؤة المشرقة بسمو أبنائها الأوفياء الذين لم ولن يتوانوا عن المساهمة في هذا البقاء، وإن تكالبت عليهم الظروف في ساعة العسرة، كما يحدث لباقي البشر على إمتداد هذه البسيطة.
وفي كل أيام الوطن نرفع أكف الضراعة الى الله تعالى أن يديم الصحة على قائد مسيرة عمان الحديثة حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – وأن يتوجه بلباس العافية، وأن يكرمه في جسده وبصيرته، إنه سميع مجيب.



