الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

النسوية :ثوب مزقته شهرة بلا وعي

  غزلان بنت علي البلوشية 

لم تولد النسوية في عالمٍ يُكرّم المرأة… بل وُلدت في بيئات كانت المرأة فيها فاقدة للصوت والقرار. أمّا في المنظومة الإسلامية الأصيلة، فلم تنتظر المرأة ثورةً ولا مظاهرةً كي تُكرَّم. لم تحتج أن تصرخ ليُسمع صوتها، لأنّ وجودها في حد ذاته كان صوتًا مُقدّرًا. الإسلام لم يَعِدها بالكرامة، بل منحها مكانةً جعلت تكريمها واجبًا لا فضلًا، وحقوقًا لا هبة، ومسؤولياتٍ لا صدقة فكريّة.

المرأة في الإسلام لم تُحرَّر… لأنها أصلًا لم تُستعبد.

مكانتها لم تُنتزع بصراخ، بل كانت ثابتة بالفطرة والحق. لكن حين يُهمَّش صوتها ويُنظر إليها كجسد قبل أن تُرى كعقل، وحين لا يسمعها أحد إلا إذا صرخت… يتحوّل حقّها الطبيعي إلى معركة لم تطلبها. فالحرية لا تتحول إلى قضية إلا عندما يُساء فهمها، ولا تتحول إلى صراع إلا عندما تَغيب العدالة التي كان من المفترض أن تُمارَس بهدوء.

وعندما يرفض المجتمع الاعتراف بجرحٍ بسيط في حقّها، يكبر الجرح حتى يصبح بترًا، وتولد النسوية المتطرفة لا لأنها تبحث عن الانفلات، بل لأنها تبحث عن مكانٍ لم يجد أحدٌ الشجاعة ليهيّئه لها. المرأة لا تطالب بأن تُصبح رجلًا، ولا أن تنقلب على فطرتها، هي فقط تريد أن تُعامل بوعيٍ يحترم إنسانيتها قبل أن يُحاكم صوتها. فهي لا تبحث عن الحرية… بل تبحث عمّن يعترف أنها كانت حرّة منذ البداية.

الكرامة ليست معركة… إلا في عيون من سلبها.

لم يكن الإسلام يومًا خصمًا للمرأة كي تُقاتله، فقد صان مالها قبل أن تملك، وحمى جسدها قبل أن تطالب، ومنحها حق القرار قبل أن تُفكّر في الثورة. فلماذا تتحول بعض النساء إلى محاربات؟ لأن المشكلة لم تكن يومًا في الشريعة، بل في العادات التي ارتدت ثوب الدين، وفي من ادّعى حمايتها وهو يُحاصرها باسم الفضيلة. هنا… لا يتمرد العقل على الدين، بل يتمرد على من شوّه صورته وأخفى نوره behind his own shadows.

المرأة ليست ثورة… المرأة فطرة. مطالبتها بحقها ليست خروجًا عن طبيعتها، بل عودة إليها. هي لا تريد أن تُشبه الرجل، ولا أن تُنسخ من ثقافات غريبة؛ هي فقط تريد أن تُعامل بوعيٍ يفهم أنها تُكمل المشهد لا تنافسه. المرأة ليست مشروعًا لإعادة تشكيل السلوك، ولا ميدانًا للمقارنات بين الشرق والغرب. إنها ما كانت دائمًا: نفَسٌ يحيي الجسد… لا خطرًا يهدده.

حين تفشل البيوت في الاحتواء، وتفشل العقول في الفهم، ويفشل المجتمع في احترام الفطرة… تتحوّل الحرية من حياة هادئة إلى سلاحٍ لا تريده المرأة أصلاً. فكم من امرأة لم تكن تنتظر أكثر من صدرٍ يحتضن عقلها قبل صوتها، ويدٍ تصون قيمتها لا شكلها، واحترامٍ يمنحها حقها دون أن يرسم لها ميدان معركة. من يُشوه حقوقها باسم الحماية، كمن يخنق الزهرة وهو يحاول أن يمنع عنها الريح. وما أراده الله لها كرامة، لا يجوز أن يتحوّل إلى تهمة. ومن يثير الجدل حولها، يخلف الله عليه بوعيٍ يوقظه… فليس أسوأ من أن يُساء الظن بالفطرة ثم تُدان لأنها بريئة.

المرأة لا تبحث عن معركة، ولا تحمل سيفًا على المجتمع كما يدّعي البعض، ولا تفتعل حربًا مع الرجل إلا في خيال من لم يفهم صوتها. ما يُسمّى “ادعاءات النسوية” في كثير من الأحيان ليس تمردًا على الدين، بل صرخة ضد من اختبأ خلف الدين ليقصيها. من يظن أنها تحارب، يتحدث من زاوية ضيقة لم ير فيها إلا صدى صوته، ولم يسأل نفسه يومًا: هل المشكلة في المرأة؟ أم في العقول التي لم تتربَّ بعد على احترام ما أراده الله لها كإنسانة كاملة؟

المرأة ليست ضد الرجل، ولا ضد المجتمع، ولا ضد الفطرة؛ هي ضد الظلم فقط. لذلك… آن الأوان أن نتوقف عن وصفها بالتمرد كلما طالبت بما كتبه الله لها حقًا. كفى إساءة، وكفى اتهامًا، وكفى تشويهًا. فالمرأة لا تريد سوى أن تُعامل بما أراد الله… لا بما اختلقه الناس. وما أراده الله ليس حربًا، بل جناحًا يحميها ويحمي المجتمع معها. قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) (سورة الإسراء – 70)

هذا التكريم شمل كل إنسان، ذكرًا أو أنثى، لأن المرأة ليست استثناءً من الإنسانية… بل هي نصفها وروحها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights