الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

صناعة الوهم

   صالح بن ناصر المحروقي

تقومُ صناعة الوهم على إعادة تشكيل إدراك الناس للواقع، بطريقةٍ مدروسة تجعلهم يتبنون الموقف المطلوب دون شعورٍ بالإكراه، ولا تحتاجُ هذه العملية إلى أكاذيب صريحة، بقدر ما تحتاجُ إلى إدارةٍ ذكية للمعلومات، وانتقاءٍ دقيق للحقائق، وتقديمها في إطارٍ يخدم الهدف المطلوب.

في الماضي، كانت السيطرة تُمارس عبر الخوف والعقوبة، أما اليوم فتعتمد على الإقناع وصناعة القبول، حيث تُجهّز الروايات وتُقدَّم للجمهور كأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة، وتُكرَّر حتى تتحول إلى قناعاتٍ جماعية يصعبُ نقضها، وهكذا يتراجع التفكير النقدي، ليحلّ محله الانسياق الطوعي خلف الخطابات السائدة.

إحدى الأدوات المركزية في صناعة الوهم هي خلق العدوّ، فوجود خطرٍ دائم، حقيقي أو مُتخيّل، يجعلُ الناس أكثرَ استعداداً للقبول بالقرارات الصعبة، وعندما يُربط النقد بالتشكيك في الولاء الوطني، يصبحُ من السهل تهميش الأصوات المخالفة، واحتكار تعريف المصلحة العامة.

وغالباً ما يُستخدم هذا الأسلوب لتبرير الإخفاقات الداخلية، فعندما تتراجعُ الخدمات العامة، أو تتأزمُ الأوضاع الاقتصادية، يُلقى اللوم على المؤامرات أو الظروف الخارجية، لتبقى الأخطاء البنيوية بعيدة عن المساءلة، فيتحول الانتباه من أصل المشكلة إلى خصمٍ مُصطنع.

ومن أساليب الوهم الشائعة، الترويجُ لقصص النجاح الفردي، إذ يُقدَّم أشخاصٌ على أنهم نماذج مُلهمة بدأوا من لا شيء وحققوا نجاحاً كبيراً بجهدهم الشخصي، وتُخفى حقيقةُ أنّ كثيراً منهم استفاد من دعمٍ خاص أو امتيازاتٍ غير متاحةٍ للآخرين، وبهذا تُحوَّل قضية العدالة إلى حديثٍ عن الكفاءة الفردية، ويُحمَّل الفقراء مسؤولية إخفاقهم، بدلاً من مساءلة المنظومة.

كما يُستعمل ما يُسمى بالاختيار الزائف، إذ تُطرح أمام الجمهور بدائل مُحددة مسبقاً، فيبدو وكأنهم يملكون القرار، بينما هم في الحقيقة يتحركون داخل هامشٍ مغلق، فعلى سبيل المثال، تُقدَّم سياسات تقشفية شديدة ثم يُخفف بعضها لاحقاً لتبدو السلطة كريمةً ومتجاوبة، بينما لا أحد يناقش أحقية هذه السياسات أو جدواها من الأساس.

ويؤدي الإعلام عادةً الدور الأبرز في ترسيخ هذه الأنماط، عبر التكرار المستمر للرسائل المزيفة، فالعقل البشري يميلُ إلى تصديق ما يسمعه مراراً أكثر من تصديقه لأي دليلٍ منطقي، ولذلك أصبحت إعادة البث وسيلةً لتثبيت المفاهيم المشوهة في الوعي العام.

ويُستكمل هذا البناء بسياسة الإلهاء، إذ تُثار قضايا ثانوية لتغطية مشكلاتٍ أكبر، فينشغل الرأيُ العام بنقاشاتٍ هامشية، ويُستنزف الغضب الشعبي في قنواتٍ لا تُحدث تغييراً حقيقياً، وبهذه الطريقة يُدار الوعي العام، ويُوجَّه بعيداً عن جذور الأزمات.

كما تُستغل المفاهيم الأخلاقية ذات الطابع الإيجابي، فتُستخدم مصطلحاتٌ مثل “التسامح” أو “الانفتاح”، في سياقاتٍ تُفرغها من معناها الأصلي، لتتحولَ إلى أدواتٍ سياسية، تُضعف الحس النقدي العام وتُعطل قدرته على التمييز.

وقد أشار مارك توين بدقة إلى أنّ خداع الناس أسهلُ بكثيرٍ من إقناعهم بأنهم خُدعوا، فالإقرار بالخداع يحتاجُ إلى شجاعةٍ فكرية، بينما الاستمرار في الوهم يمنحُ شعوراً مُريحاً بالأمان، ولهذا تستمر الأكاذيب حتى بعد انكشافها.

أما غوستاف لوبون، فقد أوضح في كتابه “سيكولوجية الجماهير” أنّ الأفراد داخل الحشد يفقدون استقلالهم في التفكير، ويستجيبون للعواطف أكثر من المنطق، وقد استفادت الأنظمة الإعلامية الحديثة من هذا المبدأ، فطورت أدواتٍ رقمية تستهدف الانفعالات لتوجيه الرأي العام دون عنفٍ ظاهر.

وحين يترسخ الوعي الزائف، تصبح عملية التصحيح بطيئةً وصعبة، فالمجتمعات التي تُغذّى برواياتٍ جاهزة تحتاجُ إلى وقتٍ طويل لاستعادة ثقتها بالعقل والتحليل، ويبدأُ هذا التحول عادة من فئةٍ صغيرة تمتلكُ جرأة التساؤل وترفض الانقياد الأعمى.

إنّ مواجهة التضليل الممنهج لا تكون بالصدام، بل بطرح الأسئلة الصحيحة؛ كأنْ نتساءل عند كل موقفٍ عن المستفيد، والمسكوت عنه، والبدائل الممكنة، لنُعيد لأنفسنا موقعها الطبيعي كمشاركين في الوعي العام، وكل خطوة في هذا الاتجاه تُضعف قدرة الوهم على الاستمرار.

إنّ الوعي النقدي هو الحصنُ الأهم في مواجهة الخداع، فالمجتمع الذي يُشجع أفراده على التفكير المستقل يُصحح مساره ذاتياً، بينما المجتمعات التي تكتفي بالتكرار تُعيد إنتاج الخطأ نفسه.

لقد قال إبراهام لينكولن: إنك تستطيع خداع كل الناس بعض الوقت، وخداع بعض الناس كل الوقت، لكنك لا تستطيع خداع كل الناس كل الوقت، وهذه المقولة تلخص جوهر المسألة، فمهما كانت صناعة الوهم متقنة ستبقى هناك عقولٌ قادرة على كشف التلاعب وتمييز الحقيقة، هؤلاء قد يُتَّهَمون أحياناً بالتشاؤم أو السلبية، لكنّ وجودهم ضرورةٌ لأي مجتمعٍ حي، لأنهم يمثلون الضمير الذي يُوقظ الآخرين من أثر الوهم، ويمنح الحقيقة معناها الحقيقي.

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights