الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

السكون الطويل مقبرة للحياة

   صالح بن سعيد الحمداني

عندما تتعاقب علينا الساعات ونعيش ازدحام الحياة ولا نجد لأنفسنا وقتا للخلوة مع الذات، بينما الغير قد يجد نفسه يوما على هامش الوقت، تتثاقل عليه الدقائق وتطول به اللحظات، ليشعر بذلك الفراغ الذي يتسلل إلى قلبه وعقله بصمتٍ مخيف، ذلك الفراغ القاتل في الذات فراغ ليس بفراغ المكان الذي يشعر فيه الأغلبية، ولكنه فراغ آخر يتسلل بكل هدوء، فراغ الهدف والمعنى والانشغال بما يصنع الذات ويُثبّت العقل ويرجحه ويوحي للقلب الراحة والطمئنينة والسكينة.

يتسلل الفراغ إلى الوجدان لتبدأ دوامة عنيفة من الوساوس والذكريات المؤرقة ومن التوقعات المفزعة والأفكار السيئة وأحلام اليقظة التي يخالطها بل يغلب عليها الخوف والقلق من القادم وتأخذ الشائعات تتسلل من أفواه العاطلين عن الإنتاج.

قرأت يوما عبارة تقول “لقد صدق من قال إن الفارغين في الحياة هم أهل الأراجيف والشائعات”، فكرت لأبحث عن سببٍ لهذه المقولة فوجدتها قِيلت لأن أذهانهم موزعة، للأسف الشديد لا يشغلها هدفٌ سامٍ في حياتِهم ولا تحكمها قيمةٌ عليا يمضون عليها، هؤلاء كثيرا ما تجدهم دائماً منشغلين بما لا ينفع ولا يُفيد أنفسهم ومجتمعهم، كثيرا ما تجدهم يبحثون عن فُتات الأخبار لينسجوا منها قصصاً تافهة، ويلاحقوا الناس بنظراتهم وشائعاتهم وفي سكناتهم وحركاتهم؛ لأنهم بكل بساطة لا شيء يشغلهم، أذهانهم فارغة والذهن حين يفرغ يُصبح أشبه بكثير بسيارةٍ مندفعةٍ بسرعة فائقة بلا سائق تميل كل لحظةٍ ذات اليمين وفي أخرى ذات الشمال، ثم لا تلبث أن تصطدم فتتحطم.

سؤال يخطر على بالي كثيرًا ويراودني مرارًا؛ ما اللحظة الخطرة التي تمر على العقل الإنساني؟

فعلا سؤال دائما الإجابة عليه تتغير وتتمحور في جوانب عديدة، منها ما يمكن أن يكون سببا لموضوعنا، أن في اللحظة التي يفرغ فيها الإنسان من العمل ولا يوجد ما يُحرّك سكونه الداخلي، لحظتها تبدأ الكارثة التي سوف تُسيطر على الفكر ويتولد الهمّ، ويتضخم في ذاته الغمّ وتشتدّ وطأة الفزع والخوف والقلق، لماذا كل ذلك سؤال يدور في ذهن البعض؟ ببساطة نجد أن الفراغ حين يتمكّن من الإنسان يبدأ في السحب من الذاكرة كل ملفات الماضي المؤلم، وعلى مهل يقلّبها ثم بكل بساطة يفتح لنا أدراج الحاضر ليملأها بالقلق والوساوس، ولن يترك الفكر هكذا بل سوف يُجهّز للمستقبل آلاف السيناريوهات السوداء؛ فتتحول الأفكار فتغدو الحياة كلها مسرحاً للفوضى والتشتّت.

إذاً ما الحل لمواجهة وطرد هذا العدوّ اللدود؟ مجرد وجهة نظر متواضعة للقارئ، كما هي لي أولا أن نملأ ساعات يومنا بأعمالٍ مثمرة مهما صغرت تحرك فكرنا وتنعش ذاتنا.

عزيزي القارئ لا تدع نفسك أبدًا فريسةً سهلة لذلك “الاسترخاء القاتل”، الفراغ الذي يُشبه الموت البطيء، والذي يمكن أن نسميه الانتحار الساكن أو الخنق الصامت للذات والفكر، إنه وأدٌ خفيٌّ للعقل والروح.

بعض الحكماء شبه الفراغ في الحياة بالتعذيب الصيني الشهير، حيث يُوضع السجين في مكان يسمع فيه قطرات من أنبوبٍ يقطر منه الماء قطرةً قطرة، وما بين القطرة والأخرى يعيش ذلك السجين لحظة انتظارٍ قاتلة، لا يستطيع التفكير أو الراحة أو الاسترخاء وعقله مشتت حتى يُصاب في النهاية بالجنون، هذا ما يصنعه الفراغ بنا، إن تركناه دون مقاومة.

الفراغ لصٌ محترف فهو ليس مجرد لحظة راحة، إنه بكل هدوء يتسلل للعقل ثم يسرق الهدوء منه ويدمر الاتزان الفكري ويُبعثر التركيز ويملأ الفكر بصراعاتٍ وهميّة واهية، ليغدو العقل في شتات صاحبه يكون فريسة ممزقة في حربٍ لا وجود لها.

حتى ننتصر فيها لا ننتظر ولا نلتفت لذلك الضجيج ولا نستسلم بل علينا المبادرة، ننهض بعزم وإصرار نبادر فورا، قم وصلَّ، اقرأ كتابًا نافعًا، اذكر الله وسبح، اقرأ في سير العظماء، اكتب صفحة جديدة في دفترك مع صفحات سبقتها، نظّف مكتبك، أصلح زاويةً في بيتك، أو ساعد غيرك. المهم أن تنهض وتتحرّك، أن تفعل شيئاً يُثبت لنفسك أنك حيّ.

نحن أحياناً نحب البحث عن الراحة بينما ما نحتاجه هو العمل، الحركة والسعي لأن العقل حين يعمل يستريح والجسد حين يتحرك يشفى ويتعافى والنفس حين تنشغل بما ينفع تسكن وتطمئن، وإننا حين نذبح الفراغ بسكين العمل فإننا وبكل ثقة وعزيمة نقطع جذور القلق، ونجفف مستنقعات الوساوس، ونفتح نوافذ الأمل على قلوبنا المتعبة بالفراغ.

ويكفي أن نعلم أن في هذا العالم كبار الأطباء النفسيين ينصحوننا بمواجهة الاكتئاب والقلق بالانشغال النشط والحركة الدؤوبة، ويؤكدون أن مجرد العمل – أيّ عمل – يُخفف من وطأة الاضطراب النفسي بنسبة تصل إلى 50%، فإننا لو متعنا نظرنا بمشاهدة الخبازين والفلاحين والبنّائين كيف يبدأ يومهم قبل طلوع الشمس بأيدٍ مغموسة في الطين والآخر في النار لكن بقلوبٍ مطمئنةٍ كالعصافير، سعيدون ويُغنّون، يضحكون يسيرون خلف المعاول والآخر يقف خلف فرنه الحار، بينما نحن على الفراش نئنُّ من ضيقٍ لا تفسير له، ونمسح دموعاً لا نعرف لها سبب ونصرخ من ألمٍ لم يلمسنا … لأننا ببساطة ملدوغين بالفراغ، ويبقى هنا مربط الفرس هل بعد هذا ننتظر من الفراغ أن يمنحنا الراحة؟

لنبدأ بخطوة تليها خطوة وبأبسط الأشياء فلا ننتظر مشروعاً عظيماً، بل بخطوة ننطلق، فإن طريق النجاة يبدأ من كنس زوايا العقل من غبار الفراغ، وإشعال شمعة العمل، ولو كانت صغيرة.

الحياة جميلة، ولكنها لا تنتظر الكسالى، ودائما العمل لا يُصافح المترددين، فلا نسمح للفراغ أن يسرق منا العمر، بل نقاتله بجدّ، ولنخرج من زنزانة الانتظار إلى فضاء الفعل، فإن السعادة في العمل والأمان في الانشغال وراحة البال في الإنتاج، علينا أن نطرد الفراغ… بالحياة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights