من سلسلة قصص جآني بنبأ _ «السياحة الحلال».. عنوان أثار فضولي وغيّر نظرتي
زعيمة الحراصية
لم أكن أخطط لحضور ورشة عمل عن السياحة الحلال، لكن الصدفة قادتني إليها، فوجدت نفسي على مدى ثلاثة أيام في صلالة أمام موضوع لم أكن أعرف عنه الكثير.
وكان العنوان وحده كافيًا لإثارة فضولي: «السياحة الحلال».
تساءلت في البداية: ما المقصود بالسياحة الحلال؟ وهل نحتاج فعلًا إلى هذا المفهوم في بلد مسلم مثل سلطنة عُمان؟
فمثل كثيرين، كان مفهوم «الحلال» في ذهني مرتبطًا بالدرجة الأولى بالطعام، بنوع اللحوم، وطريقة الذبح، ومكونات المنتجات الغذائية. لكن ما تعرفت إليه خلال الورشة جعلني أكتشف أن الموضوع أوسع بكثير من مجرد طعام حلال.
فالسياحة الحلال لا تقتصر على الطعام، بل تقوم على تجربة سياحية متكاملة تراعي احتياجات السائح المسلم منذ اختياره للوجهة، مرورًا بالإقامة والطعام والخدمات والأنشطة، وصولًا إلى بيئة يشعر فيها بالراحة والخصوصية والأمان، مع سهولة الوصول إلى متطلباته الدينية والثقافية.
واللافت أن هذه الجوانب لم تعد مجرد اجتهادات تقدمها بعض المنشآت السياحية، بل أصبحت تستند إلى مواصفات ومعايير واضحة تتناول الخدمات السياحية والأغذية الحلال، إلى جانب آليات إعداد الطعام وتخزينه وتقديمه وغيرها من التفاصيل المرتبطة بجودة الخدمة.
وخلال الورشة تعرفت كذلك إلى اسم كان جديدًا بالنسبة لي: SMIIC، وهو معهد المواصفات والمقاييس للدول الإسلامية، الذي تعمل تحت مظلته مجموعة من الدول الإسلامية على تطوير مواصفات مشتركة في مجالات متعددة، من بينها الحلال والسياحة والخدمات المرتبطة بهما.
ومن اللافت كذلك أن سلطنة عُمان خطت خطوة جديدة في هذا الاتجاه، إذ أُقرت عضويتها في المعهد لتصبح سارية اعتبارًا من عام 2027، بما يفتح المجال أمام مشاركة أوسع في تطوير المواصفات وتبادل الخبرات مع الدول الأعضاء.
وربما كان السؤال الذي ظل حاضرًا في ذهني طوال الورشة: إذا كانت عُمان دولة مسلمة، والكثير مما يحتاجه السائح المسلم متوافر فيها بصورة طبيعية، فلماذا نحتاج إلى مفهوم «السياحة الحلال»؟
وجدت أن الإجابة تكمن في الفرق بين أن نمتلك المقومات، وبين أن نحوّل هذه المقومات إلى منتج سياحي واضح وموثوق وقابل للقياس والتسويق عالميًا.
فعُمان تمتلك بطبيعتها كثيرًا مما يبحث عنه السائح المسلم؛ من المساجد والطعام الحلال، إلى الخصوصية الأسرية والأمان والضيافة والقيم المجتمعية، إلى جانب التنوع الطبيعي والثقافي اللافت. غير أن توافر هذه العناصر يختلف عن تقديمها ضمن منظومة واضحة تستند إلى مواصفات معترف بها، وتمنح السائح والمؤسسات السياحية مستوى أعلى من الثقة والجودة.
وهنا فهمت بصورة أوضح اهتمام سلطنة عُمان بهذا المجال، من خلال التكامل بين وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، ممثلة في المديرية العامة للمواصفات والمقاييس، ووزارة التراث والسياحة؛ فالسياحة الحلال لا تتعلق بالترويج السياحي وحده، ولا بالمواصفات بمعزل عن القطاع السياحي، وإنما بمنظومة متكاملة من المواصفات والجودة والخدمات، بما يعزز موثوقية المنتج السياحي العُماني وقدرته على المنافسة محليًا ودوليًا.
خرجت من الأيام الثلاثة بفكرة مختلفة تمامًا عن تلك التي بدأت بها.
قادتني الصدفة إلى الورشة، وشدّني عنوانها، ودخلتها وأنا أظن أن «الحلال» يبدأ من الطعام وينتهي عنده، ثم اكتشفت أن وراء هذا المفهوم اقتصادًا ومعايير وجودة وسياحة وضيافة وخدمات وسلاسل إمداد، فضلًا عن فرص يمكن أن تستفيد منها سلطنة عُمان مستقبلًا.
ولعلّ أجمل المعارف تلك التي نصل إليها دون أن نخطط لها.


