مقالات صحفية

حين يسكن علماء الدين في القلوب

 

سليمان بن حمد العامري

اليوم سيكون المقال مغايرًا لما اعتدتموه مني، وأسأل الله أن يلهمني حسن القول، وأن يوفقني لكتابة مقال يفي، ولو بشيء يسير، بحق العلماء الراسخين والمربين الذين أفنوا أعمارهم في العلم والدعوة إلى جمع الشمل والألفة بين المسلمين، وكذلك التربية والإصلاح.

وسأقف في هذا المقال أمام قامتين من القامات العلمية والتربوية الجليلة في سلطنة عمان: سماحة العلامة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المعروف بلقب بدر الدين، مفتي عام سلطنة عمان، والعلامة الشيخ المربي حمود بن حميد الصوافي.

وأرجو أن يتقبلا ما ستحاول يدي أن تخطه عنهما، وما سيجتهد قلمي في التعبير به عن شيء من أعمالهما وصفاتهما الجليلة، وما تركاه من أثر علمي وتربوي وإنساني في نفوس الناس. وكما أسلفت سابقًا، فإني لا أدعي أن قلمي قادر على الإحاطة بمقامهما، ولا أن عبارتي تستطيع أن تستوفي ما يستحقانه من وصف وثناء، وإنما هي محاولة صادقة بقلم بسيط متواضع، عسى أن توفي بشيء من حقهما، وتقترب من بعض ما عُرف عنهما من علم وخلق وتربية وعطاء.

والحقيقة أنه لا يسعني أن أمضي في هذا المقال دون أن أقف عند ذلك الشاب الواعد القادم من غزة العزة، أرض الجهاد والصبر والرباط، رمضان أبو جزر. فقد أدهشني ما رأيته في زيارته لهذين العالمين الجليلين قبل أيام، وهو يظهر في حديثه وملامحه وحركاته إعجابًا صادقًا بهما، ومحبة بدت واضحة لا تحتاج إلى كثير تفسير.

وليس موضع الدهشة في الإعجاب وحده، وإنما في أن يصدر هذا الشعور من شاب في مقتبل العمر، في مرحلة قد ينشغل فيها كثير من أقرانه بأمور أخرى، بينما كان هو ينظر إلى العلماء بوصفهم موضع إلهام وقدوة، ويظهر تجاههم ذلك التقدير الذي يكشف عن وعي مبكر بقيمة العلم وأهله.

ولعل الشباب في مثل هذه المواقف، حين تصدر مشاعرهم بعفوية، يكشفون عن حقيقة ما استقر في نفوسهم من تقدير وإعجاب. فإذا أحب الشاب قدوة، ووجد فيها ما يلهمه، ظهر ذلك في حديثه وملامحه قبل أن يبحث عن الكلمات التي تصف شعوره.

وهنا وقفت متأملًا ذلك المشهد، وقلت في نفسي: ما الذي يجعل عالِمًا يبلغ من القبول أن تصل محبته إلى قلب شاب واعد جاء من أرض بعيدة، ولم يعش تفاصيل مسيرتهما، ولم يقرأ كل ما كتباه، ولم يعرف من حياتهما ما يعرفه طلاب العلم وأهل المعرفة؟

أيها العلماء الراسخون، ما السر الذي بينكم وبين الله حتى جعل لكم هذا القبول في القلوب؟

وهل القبول إلا أثر من آثار الصدق حين يطول مقامه في النفس، والإخلاص حين يصبح العمل لله قبل أن يكون للناس؟

فالإنسان قد يصنع لنفسه اسمًا، وقد يمنحه المنصب حضورًا، وقد تجعله الظروف مشهورًا بين الناس، ولكن القبول شيء آخر. القبول لا يؤخذ بالقوة، ولا تمنحه الألقاب وحدها، ولا تستطيع المناصب أن تزرعه في القلوب. وهنا ربما يكون الفرق بين من يعرفه الناس، ومن يسكن في قلوبهم.

ولعل هذا ما جعلني أتوقف أمام رمضان أبو جزر أكثر من مرة؛ لأنني لم أر في المشهد مجرد شاب يزور عالمين، وإنما رأيت معنى أكبر من ذلك. رأيت أثر العلم حين يتجاوز الكتب، وأثر التربية حين تعبر الأجيال، وأثر الإنسان حين يصل إلى من لم يعاصره في بداياته، ولم يعرف تفاصيل مسيرته.

أخط بقلمي هذه الكلمات وأنا موقن بأنني لن أصل إلى لب الموضوع، وأن ما سأكتبه لن يبلغ من مقامهما إلا طرفًا يسيرًا. حاولت أن أستجمع الأفكار، فإذا بها تتعثر، وحاولت أن أبحث عن الكلمات، فإذا بالكلمات أضيق من المعنى.

كلما أردت أن أكتب عن علمهما ظهرت أمامي التربية، وإذا أردت الحديث عن التربية سبقني الخلق، وإذا التفت إلى الخلق وجدت وراءه عمرًا من العمل والصبر والدعوة والبذل. وكأن كل صفة تقودني إلى صفة أخرى، وكل باب أفتحه يكشف لي أبوابًا أوسع منه.

عندها أدركت أن بعض الرجال لا تختصرهم الكلمات، ولا تحيط بهم المقالات؛ لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم وحدهم، وإنما تركوا شيئًا من أعمارهم في نفوس الناس، وشيئًا من علمهم في عقول طلابهم، وشيئًا من تربيتهم في أخلاق من عرفهم وجالسهم واستمع إليهم.

وهنا أرى أن قيمة العالِم لا تكون فقط فيما يعرفه، وإنما فيما يصنعه علمه في الإنسان. فرب كلمة يقولها العالِم ثم ينساها، بينما تبقى في قلب من سمعها سنوات طويلة. ورب موقف بسيط لا يراه صاحبه شيئًا، ولكنه يغير في نفس إنسان معنى كاملًا عن العلم والدين والأخلاق.

وهكذا يصبح أثر العالِم أكبر من حدود مجلسه، وأطول من عمر اللحظة التي يتحدث فيها.

وربما كان عجز القلم هنا أبلغ من قدرته؛ لأن الإنسان حين يقف أمام بعض القامات لا يملك إلا أن يعترف بحدود عبارته. وكأن في داخلي صوتًا يقول لي: لا تتكلف الوفاء بحق رجال لا يعلم مقدار ما قدموه في السر والعلن إلا الله.

فالله وحده يعلم كم من إنسان اهتدى بكلمة منهما، وكم من طالب علم نشأ على أيديهما، وكم من قلب ثبت بموعظة، وكم من إنسان وجد في مجلسهما تربية قبل أن يجد علمًا.

ولعل هذا هو المعنى الذي عدت إليه بعد كل ما حاولت أن أكتبه: أن العلماء الحقيقيين لا يتركون وراءهم معلومات فقط، وإنما يتركون أثرًا. والمعلومة قد تحفظ ثم تنسى، أما الأثر الصادق فقد يبقى في الإنسان حتى بعد أن ينسى متى سمع الكلمة، وأين سمعها، ومن كان يجلس إلى جواره حين سمعها.

وأسأل الله تعالى أن يشرفني بلقائهما مرة أخرى، وأن يمد في أعمارهما على الطاعة والعافية، وأن يحفظهما للأمة، وأن يقر أعينهما بما يتمنيان للمسلمين من عز ونصر ووحدة وتلاحم، وأن يريا الأمة وقد اجتمعت قلوبها قبل أن تجتمع صفوفها، ونبذت ما يفرق بينها، واستعادت معنى الأخوة التي أرادها الله لها.

وأكرر اعتذاري إليكما أيها العالمان الجليلان إن وصل إليكما خطي؛ فأنا لست من أهل العلم الذين يستطيعون أن يزنوا مسيرتكما بميزان العلماء، ولا أزعم أن مسيرتي العلمية المتواضعة تؤهلني لأن أفيكما حقكما.

ولكنني كتبت ما استطعت، لا ادعاء للعلم، ولا تزكية لقلمي، وإنما محبة وتقديرًا واعترافًا بالفضل.

وإن قصرت العبارة، فحسبها أنها خرجت صادقة.

فتقبلا مني ضعف العبارة، وقلة البضاعة، وصدق المحبة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights