مقالات صحفية

عاقبة الظالمين .. ولو بعد حين

    محمد بن سعيد بن مبارك العلوي 

حين يطول ليل الظلم… يبقى الفجر موعدًا لا يُخلَف

للظلم بريقٌ خادع، يُغري أصحابه بأنهم فوق الحساب، وأن القوة التي بين أيديهم كفيلة بأن تصنع لهم واقعًا لا يتزحزح. لكن من يقرأ التاريخ بعين متأنية، يدرك أن هذا البريق ما هو إلا سرابٌ يخدع الناظر من بعيد، فإذا اقترب منه لم يجد شيئًا.

قال الله تعالى:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]

لا يغترّنَّ ظالمٌ بقوته، ولا يظنَّ معتدٍ أن بطشه سيبقى إلى الأبد؛ فالأيام دول، والظلم وإن طال أمده، فله نهاية، والباطل وإن علا، فمصيره إلى زوال. منذ فجر الخليقة، والصراع قائمٌ بين طرفين: قوةٍ تستكبر وتستعلي، وحقٍّ يُستضعف ثم ينتصر. وهذا هو حال الصراع الدائر بين المُعتدين الصهاينه وبين أهل الحق والأرض بفلسطين وأخص بالذِكر أهل الرباط أهلنا في غزة العِزّة والكرامة، ولم يكن هذا الصراع يومًا في صالح الأقوى بالسلاح، بل في صالح الأصدق موقفًا، والأثبت على المبدأ والإيمان.

سنة الإمهال لا الإهمال..

قد يُمهل الله الظالم، لكنه لا يهمله، وقد يؤخّر عنه العقوبة لحكمةٍ يعلمها سبحانه، وليس ذلك نسيانًا أو عجزًا، قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42]

وفي الحديث الشريف، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ ۚ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] (متفق عليه).

فالإمهال ليس غفلة، بل هو استدراجٌ وابتلاء، وكم من ظالمٍ ازداد طغيانًا في مهلته، فكان ذلك سببًا في تعجيل عقوبته وشدتها. ومن عجائب النفس البشرية أن الظالم يظن نفسه في قمة القوة وهو في الحقيقة في أضعف حالاته؛ لأنه يعيش على وهمٍ اسمه “الأبدية”، ويصدّق أن الزمن يقف عند لحظة انتصاره.

عبرة الطغاة… حين تتحدث الأنقاض بدل الألسنة

قد يعجز الكلام أحيانًا عن إقناع الظالم بزوال مُلّكه، لكن التاريخ لا يعجز أبدًا عن إثبات ذلك بالوقائع. فكل حضارة قامت على القهر، تركت خلفها أطلالًا تتحدث بدل أصحابها، وتشهد أن القوة وحدها لم تكن يومًا ضمانة للبقاء.

فرعون: من “أنا ربكم الأعلى”

إلى “جثة تُعرض للعبرة”

لم يكن أحد في زمانه أشد بطشًا من فرعون، الذي استعبد شعبًا كاملًا، وقتل الأبناء واستحيا النساء، وادّعى الألوهية على الملأ. لكن حين جاء الموعود، لم تنفعه جنوده ولا عرشه ولا نهره، وابتلعه البحر في اللحظة التي ظن فيها أنه سيلحق بضحاياه ليعيدهم إلى الذل.

 قال تعالى:

﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ [يونس: 92]

فتأمل: لم يُقصد ببقاء جسده تكريمًا له، بل تحويلًا لجبروته إلى عبرة تُرى بالعين لكل جبار من بعده.

النمرود: من مجادلة الخليل إلى هزيمة أمام أضعف الجنود

النمرود الذي جادل إبراهيم عليه السلام في ربوبية الله، وادّعى أنه يُحيي ويُميت، لم يُهزم أمام جيشٍ أو قوةٍ عظمى، بل – كما تذكر كثير من الروايات التفسيرية – جاءت نهايته من أضعف مخلوق، إشارةً إلى أن قدرة الله لا تحتاج لجيوش كي تُذلّ المتكبرين.

قارون: حين تُصبح الثروة سببًا للهلاك لا الحصانة منه

قارون الذي خرج على قومه في زينته، وقال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78]، ظانًّا أن ماله سيحميه من كل عاقبة، إذا به يُخسف به وبداره الأرض، ليصبح مثلًا يُضرب في الغرور بالمال.

الصهاينه المُعتدين.. ونهايتهم الموعوده بإذن الله تعالى .. ما نراه الآن من بطش وتجويع وإبادة على أهلنا المرابطين الصابرين في غزة وفلسطين ما هو إلا بداية لنهاية الصهاينه المُحتلين، وبداية لنهاية الظُلم عن أهل غزة إن شاء الله وهذا وعد الله ورسوله للمرابطين في فلسطين…

 وأعظم ما نستطيع أن نقدّمه لأهلنا في غزة؛ أن نرفع أكفّ الضراعة إلى الله تعالى ونسأله بصدقٍ وإخلاص أن ينصرهم ويحفظهم ويفرّج كربهم.. اللهم إنّا نتوجّه إليك بالدعاء، وأنت أرحم الراحمين، وأقربُ إلى من دعاه وأجاب.

اللهم انصر أهلنا في غزة، وثبّت أقدامهم، واربط على قلوبهم، واحفظهم بعينك التي لا تنام، واكلأهم برعايتك وحفظك ورحمتك.

اللهم كن لهم ولا تكن عليهم، وأيّدهم بنصرك، وأمددهم بمددك، واجبر كسرهم، وآمن خوفهم، وأطعم جائعهم، واسقِ ظمآنهم، واشفِ جريحهم، وارحم شهداءهم، وآوِ مشرّدهم، واحفظ أطفالهم ونساءهم وشيوخهم.

اللهم فرّج عنهم ما نزل بهم، وارفع عنهم البلاء والظلم والعدوان، وافتح لهم أبواب رحمتك وفرجك ونصرك، وأرِهم من لطفك ما يطمئن به القلب وتقرّ به العين.

اللهم لا تكلهم إلى أنفسهم طرفة عين، ولا إلى أحدٍ من خلقك، وكن لهم ناصرًا ومعينًا وحافظًا ومؤيدًا.

اللهم إنّا نبرأ إليك من عجزنا وقلة حيلتنا، ونستودعك أهل غزة، فأنت خير من استُودع، وخير حافظٍ وخير نصير.

اللهم اجعل لهم من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، ومن كل بلاءٍ عافية، ومن كل خوفٍ أمنًا، ومن كل ألمٍ رحمةً وأجرًا.

اللهم عجّل لهم بالفرج، وأبدل خوفهم أمنًا، وحزنهم فرحًا، وضعفهم قوة، وانكسارهم عزّة، واجعل عاقبة أمرهم خيرًا.

اللهم عليك بالصهاينه وبكل ظالمٍ متجبّرٍ اعتدى على الأبرياء وسفك الدماء بغير حق، اللهم اكفِ عبادك شرّ المعتدين، وردّ عنهم كيد المعتدين، وأبطل ظلم الظالمين، ولا تجعل للظلم سبيلاً على عبادك المستضعفين.

ربنا تقبّل دعاءنا، ولا تردّ أيدينا خائبة، وانصر أهلنا في غزة نصراً مؤزراً، وألّف بين قلوب المسلمين، واجعل لنا نصيبًا من نصرة المظلوم بما نستطيع يارب العالمين.

إمبراطوريات سقطت بين ليلة وضحاها

لم يقتصر الأمر على أفراد، بل شمل دولًا وإمبراطوريات كاملة: إمبراطوريات ظنت نفسها خالدة، وقامت جيوشها على احتلال الشعوب ونهب خيراتها، فإذا هي بعد حين تُذكر في كتب التاريخ كفصل من فصول الماضي لا أكثر، بينما استمرت الشعوب المستضعفة التي قاومت واحتسبت.

المستضعف ليس عاجزًا… بل ينتظر موعده

كثيرًا ما يُقرأ الموقف بميزان القوة الظاهرة، فيُحكم على المستضعف بالهزيمة سلفًا. لكن الحقيقة أعمق من ذلك؛ فالمستضعف يملك سلاحًا لا يملكه الظالم: الإيمان والحق، والصبر، والدعوة الصادقة التي لا تُرد. وهذه الرباعية وحدها كفيلة، مع مرور الوقت، بأن تُعيد ترتيب الموازين من جديد بإذن الله تعالى.

ومن أعظم ما يثبّت قلب المظلوم أنه يعلم أن دعاءه مسموع ومجاب إن شاء الله، فقد قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» (متفق عليه).

فما أهون الظالم على الله حين يرفع المظلوم يديه في جوف الليل أو في أثناء نهاره، يشتكي إلى ربه ما ناله من قهرٍ وجَور!

لا تغترّوا بطول المدة ولا بكثرة العُدة

فلا تغترّوا بطول المدة، ولا بقوة السلاح، ولا بكثرة الأتباع؛ فإن الله يمهل ولا يهمل، والتاريخ يشهد أن كثيرًا ممن ظنوا أن مُلكهم أبديّ، أصبحوا عبرةً لمن بعدهم. كم من إمبراطورية بُنيت على الدماء فانهارت في ليلة، وكم من طاغيةٍ ملأ الدنيا صخبًا وضجيجًا فإذا هو في خبر كان، لا يُذكر إلا باللعنة والازدراء.

الجامع بين كل هذه النماذج أن القوة الظاهرة – سلاحًا كانت أو مالًا أو مُلكًا – لم تكن يومًا ضمانة للاستمرار، بل كثيرًا ما كانت هي نفسها سبب السقوط، حين تتحول إلى غرور يُعمي صاحبه عن سنة التداول التي لا تُحابي أحدًا.

الأيام دُول..

وتلك الأيام نداولها بين الناس… يومٌ للظالم، ويومٌ للمظلوم، ويومٌ للقوي، ويومٌ للضعيف؛ ولكن العاقبة في النهاية ليست للبطش والعدوان، وإنما للحق والعدل. قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128]، فمهما طال ليل الظلم، فإن فجر الحق آتٍ لا محالة.

الكتابة عن الظلم مسؤولية لا ترف

حين يتصدى الكاتب لموضوع الظلم، فهو لا يكتب مقالًا عابرًا، بل يوثّق شهادة، ويحمل أمانة الكلمة في وجه من يريدون أن يُسكتوا الحقيقة. ومن هنا، فإن أقوى ما يكتبه الكاتب هو ما يخرج من قناعة راسخة، لا من رغبة في الإثارة، فالكلمة الصادقة تبقى، وما سواها يذوب مع الأيام.

الثقة بوعد الله..

وحسب المظلوم أن يعلم أن وراءه ربًّا لا يضيع عنده حق، ولا تخفى عليه مظلمة، ولا يفوته ظلم ظالم. فليصبر وليحتسب، وليكثر من الدعاء، وليثق أن الفرج قريب مهما استبدت به الأيام. كل من ظنّ أن الأرض ستبقى في قبضته إلى الأبد، أعادته الأيام إلى حجمه الحقيقي. وهذه ليست نبوءة، بل قانونٌ يتكرر أمام أعيننا جيلًا بعد جيل. فليكتب كل ظالمٍ اسمه في سجل التاريخ كما يشاء، فإن الصفحة الأخيرة من هذا السجل، لن يكتبها هو، بل ستكتبها الأيام.

اللهم انصر المظلومين، واخذل الظالمين المعتدين الصهاينه ومن والآهم وشايعهم، وأرِنا فيمن ظلم وبغى وتجبّر عجائب قدرتك، واجعل عاقبة الظلم والعدوان وبالًا على أهله، وأظهر الحق وأزهق الباطل، إنك على كل شيء قدير.

اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا وقدوتنا وتاج رؤوسنا محمدٍ ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights