“عروسة المولد” (1954): حين سبق الخيال المصري هوليوود بعقود
د. أحمد الشربيني
في ليلة شتاء عام 1954، وتحديدًا مع حلول ذكرى المولد النبوي، أهدت السينما المصرية جمهورها تحفة فانتازية نادرة تجاوزت بجرأة حدود الزمن والمكان. إنه فيلم “عروسة المولد” للمخرج عباس كامل، ذلك العمل السينمائي الذي لم يكن مجرد استعراض غنائي رقيق، بل كان بيانًا سينمائيًا طليعيًا استبق بفكرته الساحرة أهم إنتاجات هوليوود لعقود تالية. ففي مشهد افتتاحي يحمل طابعًا سحريًا، يغلق مصنع حلوى المولد أبوابه ليلاً، لتستيقظ مملكة الحلوى، وتنبض العرائس والفرسان المصنوعون من السكر بالحياة، في لفتة فنية تسبق بإبداعها فيلم “حكاية لعبة” (1995) بنحو أربعين عامًا، وتسبق أيضًا فيلم “ليلة في المتحف” (2006) الذي قام ببطولته روبن ويليامز، حيث تدب الحياة في المعروضات الأثرية ليلاً بمجرد إغلاق المتحف، وهي ذات الفكرة التي صاغها المخرج عباس كامل قبل نصف قرن من الزمان، لكنه اختار لها فضاءً أكثر دفئًا وارتباطًا بالوجدان المصري: معمل لصنع حلوى المولد، حيث تتحول الحلوى إلى كائنات نابضة بالحياة والأحلام.
ويتوسط هذا الكون السكري “حلاوة”، عروسة المولد التي تؤديها الراحلة تحية كاريوكا بحضور استثنائي، فتتحول الشخصية من حلوى صامتة إلى كائن يحلم بالتحرر من قالب السكر، ويطمح لأن يكون إنسانًا. هنا تكمن العبقرية السينمائية، إذ لا يكتفي الفيلم بالخيال، بل يغوص في نفسية البطلة التي تبيع روحها للشيطان – الذي يقدمه محمود المليجي بأداء شرير ساحر – مقابل جسد بشري، في صفقة إبليسية تذكرنا بأساطير فاوست، لكنها تظل مصرية الهوية، ممزوجة ببهجة المولد وطراوة الحلوى. ينطلق بعدها الفارس “سكر” برفقة فرسانه من الحلوى في مهمة بطولية لتحرير حلاوة، في بناء درامي متقن يخلق توترًا بين الخير والشر، بين عالم الحلوى البريء وعالم البشر المليء بالغواية والنفاق.
واللافت أن الفيلم لا يسبق الأعمال العالمية فحسب، بل يسبق أيضًا فيلم “الحرب العالمية الثالثة” المصري (2022)، الذي أعاد تقديم فكرة تحرك تماثيل متحف الشمع في منتصف الليل، ليثبت أن السينما المصرية كانت تمتلك وعيًا فانتازيًا مبكرًا، وقدرة على صياغة عوالم موازية بمعالجة درامية مدهشة. ففي “عروسة المولد”، الحلوى ليست مجرد جماد، بل كيانات تعيش وتتألم وتغني وتكافح، والمصنع ليس مكانًا، بل مسرح وجودي يطرح أسئلة عن الهوية، الرغبة، التضحية، والعودة إلى الجوهر النقي.
وفي سياق المولد النبوي، يحمل الفيلم دلالة روحانية عميقة، فهو ليس مجرد قصة ترفيهية، بل تأمل بصري في صراع الروح مع الإغراء، ورحلة التوبة التي تقود حلاوة في النهاية إلى أن تذوب طواعية في صُهريج الحلوى، لتولد من جديد نقية، كفطرة الإنسان التي لا تموت. بهذا المعنى، يكون “عروسة المولد” أكثر من مجرد فيلم، إنه أيقونة سينمائية نادرة، ونبوءة فنية سبقت زمانها، واستحقت أن تحتفي بها الأجيال كإحدى لآلئ الثقافة البصرية العربية لتؤكد دوماً على ريادة العرب الفكرية والفنية وسبقها للغرب متى توافرت الوسائل والمناخات الصحية للإبداع والابتكار. وهذا ليس بغريب على الفكر العربي، فقد استقى دانتي “الكوميديا الإلهية” من “رسالة الغفران” للمعري، فاشتهر أدب دانتي وتُنوسي مصدر اقتباسه العربي جراء الغرور والكبر الغربي!!


