قضايا على طاولة التربية _الأسرة المدرسة الأولى في بناء الإنسان_
علي بن مبارك بن خلفان اليعربي
حين نتحدث عن بناء الإنسان، كثيرًا ما تتجه أنظارنا إلى المدرسة، ونحمّل المعلم جانبًا كبيرًا من المسؤولية، ثم نلتفت إلى المناهج والأنشطة والبرامج التربوية، وكأن شخصية الإنسان تبدأ في اليوم الذي يدخل فيه مقعده الدراسي. لكن الحقيقة التي ينبغي ألا تغيب عنا أن المدرسة لا تستقبل إنسانًا خاليًا من التجارب والتأثيرات، وإنما تستقبل طفلًا بدأت ملامح شخصيته تتشكل قبل أن يعرف معنى المدرسة أصلًا.
ومن هنا تأتي الأسرة بوصفها المدرسة الأولى، والمعلم الأول، والبيئة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الحب، والأمان، والاحترام، والمسؤولية، والحوار، والاعتماد على النفس. وما يراه الطفل في سنواته الأولى قد يترك في نفسه أثرًا أعمق من كثير من الكلمات التي يسمعها بعد ذلك.
ولذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن نطرحه ليس: هل الأسرة مسؤولة عن تربية أبنائها؟ فهذا أمر لا يحتاج إلى كثير من الجدل، وإنما السؤال الأهم: كيف تقوم الأسرة بهذه المسؤولية في زمن تغيرت فيه الحياة، وتعددت فيه مصادر التأثير، وأصبحت التربية تواجه تحديات لم تكن موجودة بالصورة نفسها في الماضي؟
لقد كانت الأسرة في الماضي، في كثير من البيئات، أكثر حضورًا في حياة أبنائها. كانت مساحة اللقاء أوسع، والجلوس معًا أكثر، والعلاقات بين أفراد الأسرة والمجتمع أكثر قربًا، وكان الطفل يجد حوله نماذج بشرية متعددة يتعلم منها. لم يكن الأب والأم وحدهما مصدر التربية، بل كان الجد والجدة والعم والخال والجار والمعلم والمجتمع المحيط جميعًا يشكلون شبكة من التأثيرات التربوية.
أما اليوم، فقد أصبح الطفل يعيش في عالم مختلف؛ عالم تدخل فيه الشاشة إلى غرفة نومه، والهاتف إلى يده، والمحتوى إلى عقله دون استئذان. ولم تعد الأسرة هي المصدر الوحيد الذي يخبره كيف يفكر، وماذا يحب، وماذا يرفض، وكيف يرى العالم.
وهنا لا ينبغي أن نقف لنقول: «لقد أفسدت التقنية أبناءنا.»
فالتقنية لم تدخل حياتهم وحدها.
نحن الذين أدخلناها.
ونحن الذين حددنا لها حجم حضورها في بيوتنا.
ونحن الذين نستطيع أن نجعلها وسيلة نافعة، أو نتركها لتصبح شريكًا غير معلن في التربية.
ولهذا فإن مواجهة التحديات الجديدة لا تكون برفض العصر، وإنما بفهمه، وبإعادة التوازن داخل الأسرة.
فقد لا يكون الخطر الحقيقي في وجود الهاتف في يد الابن، وإنما في أن يصبح الهاتف هو البديل عن الأب والأم، وعن الحوار، وعن اللعب، وعن القراءة، وعن العلاقات الاجتماعية، وعن الوقت الذي كان يجتمع فيه أفراد الأسرة حول بعضهم بعضًا.
وهنا تظهر مسؤولية الأسرة من جديد.
فالطفل الذي لا يجد من يستمع إليه في البيت، قد يبحث عمن يستمع إليه خارجه. والطفل الذي لا يجد إجابة عن أسئلته في أسرته، قد يبحث عنها في مصادر أخرى لا نعرفها. والطفل الذي لا يشعر بأن له مكانًا في الحوار الأسري، قد يجد مكانه في عالم افتراضي يمنحه شعورًا بالاهتمام والانتماء.
ولذلك فإن الحوار داخل الأسرة ليس ترفًا، بل هو أحد أهم أدوات التربية.
وقد يكون من السهل على الأب أن يسأل ابنه: «هل ذاكرت؟»، وعلى الأم أن تسأل: «هل أنجزت واجباتك؟»، لكن السؤال الذي قد يكون أكثر أهمية: «كيف تشعر؟»، و«ماذا يشغلك؟»، و«هل هناك شيء تريد أن تحدثني عنه؟».
نحن في كثير من الأحيان نتابع أبناءنا من خلال نتائجهم، وننسى أن نسأل عن مشاعرهم وأفكارهم.
نراقب درجاتهم، ولا نراقب دائمًا ما يحدث في دواخلهم.
نقلق على مستقبلهم الدراسي، ولا ننتبه بالقدر نفسه إلى مستقبل شخصياتهم.
وهنا ينبغي أن نتوقف قليلًا.
هل نربي أبناءنا، أم أننا في بعض الأحيان نديرهم؟
هناك فرق كبير بين الأمرين.
إدارة الابن تعني أن نحدد له ما يفعل، ومتى يفعل، وكيف يفعل، ثم نتابع التنفيذ ونصحح الأخطاء.
أما التربية فتعني أن نساعده تدريجيًا على أن يعرف كيف يختار، وكيف يتحمل، وكيف يفكر، وكيف يواجه الخطأ، وكيف يتحمل مسؤولية قراراته.
قد تكون الإدارة ضرورية في مراحل معينة من عمر الطفل، لكن المشكلة حين تستمر حتى يكبر الإنسان، فنطالبه بعد ذلك بأن يكون مستقلًا، مسؤولًا، قادرًا على اتخاذ القرار، بينما لم نمنحه طوال سنواته فرصة حقيقية ليتعلم الاستقلال.
ومن المفارقات أننا أحيانًا نشكو من أن أبناءنا لا يتحملون المسؤولية، ثم نتدخل في كل صغيرة وكبيرة من حياتهم.
نختار عنهم.
ونجيب عنهم.
ونحل مشكلاتهم.
ونتدخل عندما يخطئون.
ثم نتساءل:
لماذا لم يتعلموا الاعتماد على أنفسهم؟
إن المسؤولية لا تُلقّن فقط، وإنما تُمارس.
والاستقلال لا يُمنح بكلمة، وإنما يُبنى بالتدرج.
ولذلك يحتاج الابن إلى أن يشعر بأن الأسرة تثق به، وأن تمنحه مساحة مناسبة لعمره، وتسمح له بأن يخطئ في الأمور التي يمكن أن يتحمل نتائجها، ثم تساعده على فهم الخطأ بدل أن تسارع دائمًا إلى إنقاذه منه.
فالطفل الذي لا يسمح له أن يجرب، قد يكبر وهو يخاف من التجربة.
والذي لا يسمح له أن يقرر، قد يكبر وهو ينتظر من يقرر عنه.
والذي يُعاقب على كل خطأ، قد يتعلم إخفاء أخطائه بدل التعلم منها.
وهنا لا يعني ذلك أن نترك أبناءنا دون توجيه، أو أن نخلط بين الحرية والفوضى؛ فالأسرة مطالبة بأن تضع الحدود، ولكن الحدود التربوية ليست جدرانًا تمنع النمو، وإنما هي إطار يساعد الإنسان على أن ينمو بصورة آمنة ومتوازنة.
ولعل من أكثر ما تحتاجه الأسرة اليوم هو التوازن.
فكما أن القسوة ليست تربية، فإن الراحة المفرطة ليست تربية أيضًا، وكما أن السيطرة الكاملة تضعف شخصية الابن، فإن تركه بلا توجيه قد يضعفه كذلك.
التربية ليست تشددًا دائمًا، ولا تساهلًا دائمًا.
إنها معرفة:
متى أوجه؟
ومتى أترك؟
متى أتدخل؟
ومتى أراقب من بعيد؟
ومتى أقول «لا»؟
ومتى أقول «جرّب»؟
وهذه ليست أسئلة سهلة، ولهذا فإن الأبوة والأمومة ليستا مجرد دور اجتماعي نمارسه بحكم وجود الأبناء، وإنما مسؤولية تحتاج إلى وعي مستمر وتعلم ومراجعة.
وقد يكون من المفيد أن نتوقف أمام أنفسنا كآباء وأمهات، لا لنلوم أنفسنا، وإنما لنسأل:
هل يسمع أبناؤنا منا أكثر مما يسمعون منا؟
هل يرون فينا القدوة التي نطالبهم بها؟
هل نعتذر لهم عندما نخطئ؟
هل نحترم آراءهم حتى عندما نختلف معها؟
هل نمنحهم وقتًا حقيقيًا، أم نعطيهم ما يحتاجونه من الأشياء ونحرمهم مما يحتاجونه من الحضور؟
هل نعلمهم الاعتماد على النفس، أم نختصر الطريق دائمًا ونفعل عنهم؟
هل نربيهم على القيم، أم نكتفي بالمطالبة بالنتائج؟
هذه الأسئلة قد تكون أحيانًا أكثر فائدة من عشرات النصائح التربوية.
فالأسرة ليست مطالبة بأن تكون مثالية؛ فلا توجد أسرة مثالية، ولا أب كامل، ولا أم لا تخطئ. لكن الأسرة الواعية هي التي تعرف أن التربية عملية مستمرة، وأن مراجعة الأسلوب ليست اعترافًا بالفشل، وإنما دليل على الرغبة في التحسن.
وإذا كنا نريد أن نعيد شيئًا من أجمل ما كان في «جيل الطيبين»، فعلينا ألا نكتفي بالحنين إلى ذلك الزمن، بل نبحث عن القيم التي صنعت تلك المظاهر الجميلة.
فإذا كنا نفتقد الترابط، فلنعد إلى الاجتماع.
وإذا كنا نفتقد الاعتماد على النفس، فلنعط أبناءنا مسؤوليات حقيقية.
وإذا كنا نفتقد الاحترام، فلنبدأ بإعادة الاحترام إلى لغة البيت.
وإذا كنا نفتقد الصبر، فلنعلّم أبناءنا الانتظار بدل أن نستجيب لكل رغبة فورًا.
وإذا كنا نفتقد الحوار، فلنفتح في البيت مساحة للكلام لا تكون فيها كل إجابة خاطئة سببًا للعقاب.
إن استعادة القيم لا تعني استعادة الماضي بكل تفاصيله، وإنما تعني استعادة المعاني الجميلة بوسائل تناسب حاضرنا.
فالابن اليوم لا يحتاج إلى أب يعيش معه بعقلية الأمس، بقدر ما يحتاج إلى أب يحمل قيم الأمس ويفهم تحديات اليوم.
وهنا يمكن أن تلتقي الأجيال بدل أن تتخاصم.
جيل الأمس يقدم خبرته.
وجيل اليوم يعيش واقعه.
والأسرة الواعية تصل بين الاثنين.
ومن هنا فإن الحديث عن الأسرة لا ينبغي أن يتحول إلى تحميلها وحدها مسؤولية كل ما نراه في أبنائنا؛ فالمدرسة شريك، والمعلم شريك، والمجتمع شريك، والإعلام شريك، والبيئة الرقمية شريك.
لكن الأسرة تبقى نقطة البداية، لأنها المكان الذي يتعلم فيه الإنسان أول دروسه في الحياة.
وإذا أردنا أن نغير بعض ملامح جيل اليوم، فلنبدأ من البيئة التي نصنعها لهم، لا من الكلمات التي نوجهها إليهم فقط.
ولنطرح على أنفسنا السؤال الذي قد يكون أكثر إيلامًا، لكنه أكثر نفعًا:
إذا كان أبناؤنا اليوم أقل صبرًا، وأقل اعتمادًا على أنفسهم، وأكثر تعلقًا بالشاشة، وأقل حوارًا معنا… فكم من هذه الصفات جاءوا بها، وكم منها صنعناه نحن دون أن نشعر؟
ليس السؤال لإدانة الأب أو الأم.
بل لإيقاظ المسؤولية.
فالتربية ليست أن نبحث عن المخطئ، وإنما أن نكتشف أين يمكننا أن نُحسن.
والأسرة التي تعترف بأن التربية تحتاج إلى مراجعة، قد تكون قد قطعت نصف الطريق نحو الإصلاح.
فالأبناء لا يحتاجون إلى آباء وأمهات لا يخطئون، وإنما يحتاجون إلى آباء وأمهات يتعلمون معهم، ويكبرون معهم، ويعترفون بأخطائهم، ويمنحونهم الحب والحدود والثقة والمسؤولية في الوقت نفسه.
وفي النهاية، قد لا نستطيع أن نمنع كل تأثير عن أبنائنا، ولن نستطيع أن نعيد الحياة إلى ما كانت عليه، لكننا نستطيع أن نجعل البيت مكانًا يجد فيه الابن:
الأمان قبل أن يبحث عنه خارجه،
والحوار قبل أن يبحث عنه في العالم الافتراضي،
والقدوة قبل أن يتخذ الغرباء قدوة له،
والثقة قبل أن يصبح أسيرًا لرأي الآخرين،
والمسؤولية قبل أن نطالبه بها عندما يكبر.
فإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى، فإن أعظم ما يمكن أن نعلمه أبناءنا ليس كيف ينجحون في الحياة فقط، وإنما كيف يكونون بشرًا صالحين فيها.
ولعل هذا هو جوهر التربية كلها:
أن نُخرج من بيوتنا إنسانًا يعرف قيمته، ويحترم غيره، ويتحمل مسؤوليته، ويعرف أن الحرية مسؤولية، وأن الخطأ فرصة للتعلم، وأن النجاح الحقيقي لا يقاس بما يملك الإنسان وحده، وإنما بما يضيفه إلى نفسه وأسرته ومجتمعه.
وهنا تبدأ مسؤولية المدرسة من النقطة التي توقفت عندها الأسرة. فماذا يحدث عندما يدخل هذا الإنسان إلى المدرسة؟ وهل المدرسة امتداد حقيقي للتربية التي بدأت في البيت، أم أنها في بعض الأحيان تبدأ من جديد وكأنها تتعامل مع إنسان لا تعرف عنه شيئًا؟
ذلك ما سيكون موضوع مقالنا القادم.



