مقالات صحفية

النمو الشخصي للطالب العُماني: مفهومه، ومعاييره، ومؤشراته، ومقترحات التنمية والتطوير (الجزء الأول)

د. أحمد محمد الشربيني
دكتوراه في علم اللغة والدراسات السامية والشرقية

الحمد لله جزيل النعم ذي الجود والكرم، والصلاة والسلام على الرسول الأكرم سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد،،
فيُعدُّ النمو الشخصي ركيزةً محوريةً في منظومة جودة التعليم، إذ ينتمي مباشرةً إلى محور “نواتج التعلُّم” الذي يُمثِّل جوهرَ العمليات التربوية التقويمية في النظم التعليمية المعاصرة. فجودة نواتج التعلُّم لا تنحصر في المكتسبات المعرفية الأكاديمية فحسب، بل تتجاوزها إلى تنمية شخصية المتعلم في أبعادها المعرفية والمهارية والوجدانية والسلوكية على نحوٍ تكاملي. وقد أكد المرسوم السلطاني رقم ٣١ / ٢٠٢٣ بإصدار قانون التعليم المدرسي أن “الغاية الكبرى للتعليم المدرسي في سلطنة عُمان تحقيق النمو الشامل والمتكامل لشخصية المتعلم في جوانبها العقلية والعاطفية والروحية والجسدية”، مما يُرسي أساساً تشريعياً راسخاً لأهمية هذا المجال.

وتولي سلطنة عُمان هذا المحور أولوية متقدمة في إطار تقويم أداء المدارس، حيث يُصنَّف “النمو الشخصي” إلى جانب الإنجاز الدراسي، والتدريس والتقويم، ومناخ المدرسة وبيئة التعلم، والقيادة والإدارة والحوكمة. وقد أوضحت الهيئة العُمانية للاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم (OAAAQA) أن النمو الشخصي يمثل محوراً جوهرياً تُغرس من خلاله القيم، وتُصقل السلوكيات، وتترسخ الهوية الوطنية والمواطنة، ويتعز الوعي الصحي والبيئي، ليُثمر في نهاية المطاف ابتكاراً وريادةً تُؤهل الطالب لقيادة المستقبل. ومن هذا المنطلق، يتقاطع النمو الشخصي للطالب العُماني مع أهداف رؤية عُمان ٢٠٤٠ التي تضع تنمية الإنسان العُماني القادر والمبدع والواثق في صميم أولوياتها الوطنية.

*أولاً: مفهوم النمو الشخصي للطالب العُماني
يُقصد بالنمو الشخصي، في السياق التربوي الوطني، تلك العملية المتكاملة والمستمرة التي تهدف إلى تنمية جميع جوانب شخصية الطالب، بما يشمل الجوانب المعرفية، والمهارية، والوجدانية، والاجتماعية، والسلوكية، على نحو يُسهم في إعداد فرد متوازن قادر على التعامل مع متغيرات الحياة المعاصرة، ومواطن فاعل في مجتمعه، ومبتكر قادر على قيادة مستقبله. ومن ثم يستند هذا المفهوم إلى تصورات تربوية حديثة تتبناها المؤسسات التعليمية في السلطنة، والتي تؤكد أن التعليم الجيد لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يتجاوزها إلى بناء الشخصية المتكاملة.
وتتسم هذه الرؤية بعدة خصائص جوهرية، أبرزها الشمولية والتكامل، إذ تراعي تنمية المتعلم في إطار مبادئ العقيدة الإسلامية ومقومات الهوية الثقافية العُمانية الأصيلة. كما تتسم بالارتباط الوثيق بالهوية الوطنية والمواطنة، حيث يُعَدُّ ترسيخ الانتماء والاعتزاز بالثقافة العربية والإسلامية غاية أساسية من غايات النمو الشخصي. فضلاً عن ذلك، تتواءم هذه الرؤية مع التوجهات الاستراتيجية لرؤية عُمان ٢٠٤٠، التي أكد جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله – في خطابه السامي (١١ يناير ٢٠٢٠) أن التعليم سيكون على قمة الأولويات الوطنية؛ مما يعكس الإرادة السياسية السامية في تطوير المنظومة التعليمية لبناء إنسان عُماني متكامل الشخصية، قادر على الإسهام في نهضة وطنه.

*ثانياً: معايير النمو الشخصي
تستند معايير النمو الشخصي للطالب العُماني إلى إطار وطني متكامل تم تطويره عبر التشاور والتصميم الدقيقين، بالاستفادة من أفضل الممارسات الدولية والمعايير الوطنية، وذلك في سياق النظام الوطني لتقويم أداء المدارس الذي يُعَدُّ نظاماً شاملاً لضمان جودة التعليم المدرسي. وتتمثل هذه المعايير في عدة ركائز بيانها كما يلي:
١- المعيار القيمي والسلوكي: ويُعنى بغرس القيم الإسلامية والأخلاقية الفاضلة، وتنمية السلوك الإيجابي، وتعزيز الانضباط الذاتي، والمسؤولية، والالتزام، واحترام الآخرين، بما يُشكل منظومة أخلاقية راسخة في شخصية الطالب.
٢- معيار الهوية والمواطنة: الذي يهدف إلى ترسيخ الهوية العُمانية، والانتماء الوطني، والاعتزاز بالثقافة العربية والإسلامية، وتعزيز قيم المواطنة الصالحة والمشاركة المجتمعية الفاعلة.
٣- المعيار الصحي والبيئي: ويقوم على تعزيز الوعي الصحي، وغرس أنماط الحياة الصحية، وتنمية الوعي البيئي والمسؤولية تجاه الحفاظ على الموارد الطبيعية.
٤- معيار المهارات الحياتية والقيادية: الذي يشمل تنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي وحل المشكلات والتفكير النقدي والابتكار والقدرة على القيادة، وهي مهارات أثبتت الدراسات التربوية أن التعلم القائم على التجربة يُعزها بشكل فعّال.
٥- معيار التوازن النفسي والاجتماعي: الذي يتعلق بدعم الصحة النفسية للطلاب، وتوفير بيئة آمنة وداعمة، وتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على التكيف الاجتماعي، وهو ما تجسد في مبادرات رائدة كبرنامج “المدارس الصديقة للطفل” الذي أسهم في إرساء بيئات تعليمية قائمة على الرحمة والدعم العاطفي، مما زاد من إقبال الطلاب على المدرسة ومشاركتهم الفاعلة.

*ثالثاً: مؤشرات النمو الشخصي
تُقاس مؤشرات النمو الشخصي للطالب العُماني من خلال مجموعة من المحددات القابلة للملاحظة والتقييم الكمي والكيفي، وتتوزع على مستويات متعددة.

١- في المستوى السلوكي: تُرصد مؤشرات التزام الطالب بالقيم والأخلاق الإسلامية، واحترامه للمعلمين والزملاء والأنظمة المدرسية، وممارسته السلوك الإيجابي داخل المدرسة وخارجها، وانخفاض معدلات السلوكيات السلبية كالتنمر والعنف، وهو ما أكدته تقارير مبادرة التعليم الصديق للطفل التي سجلت انخفاضاً ملموساً في هذه الظواهر وفقاً لشهادات أولياء الأمور والمعلمين.

٢- في مستوى الهوية والانتماء: تتجلى المؤشرات في اعتزاز الطالب بهويته العُمانية وثقافته العربية، ومشاركته الفاعلة في المناسبات الوطنية والفعاليات المجتمعية، وإلمامه بتاريخ سلطنة عُمان وحضارتها العريقة.

٣- في المستوى المهاري: تُقاس قدرة الطالب على التواصل الفعّال، والعمل الجماعي، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات، فضلاً عن مستوى التفكير النقدي والإبداعي والمهارات القيادية والثقة بالنفس.

٤- في المستوى الأكاديمي المرتبط: تظهر المؤشرات في تحسن الأداء الدراسي نتيجة لتطور المهارات الشخصية، وزيادة الدافعية للتعلم والانخراط في العملية التعليمية، والقدرة على التعلم الذاتي والمبادرة.

٥- في المستوى النفسي والاجتماعي: تتمثل المؤشرات في مستوى احترام الذات والثقة بالنفس، والقدرة على إدارة الانفعالات والتكيف مع الضغوط، وجودة العلاقات الاجتماعية داخل المدرسة وخارجها، والإقبال على حضور المدرسة والمشاركة في أنشطتها، وهي مؤشرات تم تعزيزها عبر البرامج الاستشارية والمساحات الآمنة التي وفرتها مبادرة التعليم الصديق للطفل.

وسوف نتناول بإذن الله تعالى في المقال القادم مقترحات تنمية وتطوير النمو الشخصي للطالب العُماني بشيء من التفصيل، مع وعد منا بتجدد اللقاء. دمتم على الوفاء وشيم الأصلاء.

حفظ الله عُمان سلطاناً راشداً ماجداً وشعباً رائداً وتاريخاً تالداً وعزاً خالداً.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights