حكاية أولويات
صالح بن سعيد الحمداني
أثناء تصفحي المعتاد لرسائل الواتساب ومتابعتي لما يُتداول في بعض المجموعات، لفتت انتباهي رسالة عبّر فيها كاتبها عن رؤيته لواقعنا المعيشي، ورغم أن ما ورد فيها يمثل رأيًا شخصيًا، فإنها دفعتني إلى التوقف والتأمل في عدد من الأفكار التي طرحتها، خصوصًا أنني وجدت نفسي متفقًا مع جانب كبير منها، ومع ذلك تبقى هذه الآراء قابلة للنقاش؛ فقد يراها البعض قريبة من الواقع، بينما ينظر إليها آخرون من زاوية مختلفة تبعًا لتجاربهم وظروفهم ونظرتهم للحياة وكلٌ له نظرته للحياة، ففي ظل الحياة المعاصرة التي نعيشها وما تشهده من تغيرات متسارعة في أساليب العيش وتفاصيل الحياة اليومية، يكثر الحديث عن الغلاء وضيق المعيشة، ويتجه كثيرون إلى تحميل الزمن مسؤولية ما نواجهه من تحديات، لكن التأمل في واقعنا يكشف أن جزءًا كبيرًا من هذه التحديات يرتبط بخياراتنا اليومية، وطريقة إدارتنا لمواردنا، والأولويات التي رسمناها لأنفسنا مع مرور الوقت.
وكثيرًا ما نبتعد عن المفاهيم الأساسية التي تقوم عليها الحياة المتوازنة، وهي مفاهيم تناولتها الشريعة الإسلامية كما ناقشتها علوم الاجتماع والإدارة بأشكال متعددة، فالضروريات تمثل الركائز التي لا تستقيم الحياة دونها، وتشمل حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل، ثم تأتي الحاجيات التي تجعل الحياة أكثر يسرًا وتخفف من المشقة، دون أن يؤدي غيابها إلى اضطرابها، وبعدها تأتي التحسينيات التي تضفي على الحياة مزيدًا من الجمال والرقي والتنظيم، مثل حسن الخلق والذوق العام والاهتمام بالمظهر والترتيب، ولو تأملنا أحوال كثير من الناس اليوم لوجدنا أن نسبة كبيرة منهم تنتظر زيادة الدخل باعتبارها المفتاح لحل جميع المشكلات المالية، إلا أن الواقع يوضح أن ارتفاع الدخل وحده لا يكفي ما لم يصاحبه تغيير في أسلوب الإنفاق وطريقة التفكير، رغم إننا ليس ضد إرتفاع الدخل بطرقه الشرعية بل من المشجعين والداعمين له والمطالبين به، ولكننا ننظر من زواية أخرى حيث الكثيرون يحصلون على رواتبهم ثم يوجهون جزءً معتبرًا منها إلى مصروفات لا تفرضها حاجة فعلية، دون مراعاة واضحة للأولويات، ثم يعودون للشكوى من ضيق الحال، والحقيقة أن مراجعة نمط الحياة تبقى خطوة أساسية؛ فكلما ابتعد الإنسان عن المبالغة والتكلف، اقترب من الاستقرار المالي والراحة النفسية.
وتظهر هذه الفكرة بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية فالخدمة الواحدة أو المنتج نفسه قد تختلف تكلفته بشكل كبير من مكان إلى آخر، فالحلاقة على سبيل المثال يمكن الحصول عليها بسعر بسيط في موقع معين، بينما ترتفع تكلفتها عدة أضعاف في موقع آخر، وينطبق الأمر نفسه على الخياطة والمشروبات والوجبات اليومية، فكوب الشاي أو فنجان القهوة يمكن إعداده في المنزل بتكلفة محدودة أو شراؤه من مقهى مناسب، في حين يصل سعره في بعض الأماكن إلى مبالغ مرتفعة، وكذلك الوجبات فبينما يمكن إعدادها في المنزل أو شراؤها من مطاعم جيدة بأسعار معقولة، نجدها في أماكن أخرى تُباع بأسعار تتجاوز قيمتها الفعلية بكثير، وينسحب ذلك أيضًا على العطور والهواتف وغيرها من الكماليات التي أصبحت لدى البعض جزءً من ثقافة المظاهر أكثر من ارتباطها بالحاجة الحقيقية.
وهنا يبرز تساؤل مهم “هل تكمن المشكلة في الأسعار وحدها أم في طريقة تعاملنا معها؟” تشير التجربة إلى أن جانبًا كبيرًا من الضغوط المالية يرتبط بسلوك استهلاكي تغذيه المقارنات الاجتماعية والرغبة في مجاراة الآخرين، إن التقليل من التعلق بالمظاهر، والتخفف من هوس العلامات التجارية، والتركيز على الاحتياجات الفعلية، يمكن أن يحدث فارقًا ملموسًا على المستويين المالي والنفسي؛ فكثير من السلع ترتفع قيمتها نتيجة الإقبال المبالغ فيه عليها، ولو ساد قدر أكبر من الوعي والاعتدال لاستقرت أسعارها ضمن مستويات أكثر منطقية.
فالسيارة على سبيل المثال وُجدت لتؤدي وظيفة أساسية تتمثل في التنقل وتلبية الاحتياجات اليومية، لكنها تحولت لدى بعض الناس إلى وسيلة لإبراز المكانة الاجتماعية، والطعام كذلك يمكن أن يكون مناسبة جميلة تجمع أفراد الأسرة حول مائدة بسيطة ومشبعة، دون إسراف أو مبالغة، في المقابل يستهلك الاعتماد المتكرر على المطاعم الفاخرة جزءًا كبيرًا من الدخل في كثير من الأحيان دون فائدة تتناسب مع حجم الإنفاق، وينطبق الأمر ذاته على المبالغة في الولائم والمناسبات حيث تُصرف مبالغ كبيرة في أمور لا تحقق قيمة حقيقية توازي ما يُنفق عليها.
وعند التأمل في التحولات الاجتماعية خلال العقود الماضية نجد اختلافات واضحة في نمط الحياة والقيم السائدة، ففي السابق كان الأبناء يُنظر إليهم باعتبارهم مصدر قوة وسند للأسرة، أما اليوم فأصبح البعض يتردد في الإقدام على الإنجاب بسبب الأعباء المالية والقلق من المستقبل للمعيشة والغلا والدراسة وغيرها من مصاعب تواجهها المجتمعات، كما كانت الروابط الأسرية أكثر قوة، وكان الأبناء أكثر قربًا من والديهم وحرصًا على برّهم وطاعتهم، ثم تغيرت بعض المفاهيم والسلوكيات مع تغير الظروف، وكان الزواج أكثر بساطة ويسرًا، ثم ارتفعت تكاليفه وتزايدت التوقعات المرتبطة به، وأصبح الانفصال يحدث بوتيرة أسرع في كثير من الحالات ومن الأسباب مواضيع الدخل والديون وعدم توفر سُبل الحياة الكريمة بالإضافة لأسباب عديدة لا يسعنا ذكرها.
كما كانت العلاقات الاجتماعية أكثر دفئًا وتقاربًا فالجار يعرف جاره، وأبناء الحي يعيشون بروح الأسرة الواحدة، أما اليوم فعلى الرغم من تقارب المسافات جغرافيًا، فإن المسافات الاجتماعية أصبحت أوسع في كثير من الأحيان، ففي الماضي كان كثير من الميسورين يميلون إلى البساطة والتواضع، بينما يسعى بعض أصحاب الدخل المحدود في وقتنا الحاضر إلى تقليد أنماط الرفاهية التي تتجاوز إمكاناتهم، وحتى داخل الأسرة تبدلت الأدوار الاقتصادية؛ فبعد أن كان دخل فرد واحد قادرًا على إعالة أسرة كاملة، أصبحت الأسرة كلها تعمل لتلبية متطلبات متزايدة، بعضها يتجاوز حدود الدخل المتاح، وكثيرًا ما نبني التزاماتنا على الصورة التي نطمح إليها لا على واقع إمكاناتنا، ثم نجد أنفسنا مثقلين بالديون ونلقي بالمسؤولية على محدودية الدخل.
كما تغيرت أنماط النوم والعمل؛ فبعد أن كان النهار مخصصًا للسعي والإنتاج والليل للراحة، أصبح كثير من الناس يسهرون حتى ساعات متأخرة وينامون خلال النهار، وهو ما انعكس على الصحة والإنتاجية والشعور بقيمة الوقت، وتبقى الحكمة القديمة حاضرة بمعناها العميق؛ فالإنسان كثيرًا ما يوجه اللوم إلى الزمن، بينما تنشأ جذور كثير من المشكلات من طريقة تفكيره وسلوكه واختياراته، فالزمن يمر على الجميع بالوتيرة نفسها، أما الفرق الحقيقي فيكمن في كيفية استثماره والتعامل معه.
ومن أراد أن يخفف أعباء الحياة وينعم بقدر أكبر من الطمأنينة، فليعد ترتيب أولوياته، وليوازن بين احتياجاته ورغباته، وليمنح البساطة مكانتها باعتبارها أسلوب حياة يحقق قدرًا كبيرًا من الراحة والاستقرار، وعندها سيدرك أن كثيرًا مما كان يراه أزمة لم يكن إلا نتيجة طبيعية لاختيارات معينة، وأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن تنعكس آثاره على الواقع من حوله.



