المؤشرات بين الأهمية والعبثية
محمد السلطي
مما لا جدال فيه في علم الإدارة الحديثة، وتطوير المؤسسات، وحوكمة التشريعات والأطر التنظيمية، أن «المؤشرات» أصبحت اليوم إحدى أهم الأدوات التي تعتمد عليها المؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، لقياس مستوى الأداء والإنتاجية. فهي في جوهرها وسيلة علمية تمكّن الإدارة العليا من تقييم أداء الموظفين والوحدات التنظيمية، والكشف عن نقاط القوة والضعف، ومن ثم بناء خطط التطوير، وتعزيز رأس المال البشري، وتحقيق الأهداف والاختصاصات التي أنشئت المؤسسة من أجلها.
ولا خلاف على أهمية هذه المؤشرات، بل إنها أصبحت ضرورة لا غنى عنها لكل مؤسسة تسعى إلى الحد من الهدر، ورفع كفاءة الأداء، وتحسين جودة الخدمات. غير أن نجاحها يرتبط بمدى ملاءمتها لطبيعة المؤسسة ورسالتها. فالمؤسسة الحكومية تختلف في أهدافها عن المؤسسة الخاصة؛ إذ إن غايتها الأساسية تتمثل في تقديم الخدمات العامة وتنظيم شؤون المواطنين، لا تحقيق الأرباح، بينما تقوم المؤسسات الخاصة على تعظيم العائد الاقتصادي وتحقيق الربحية. ومن ثم، فإن تصميم المؤشرات يجب أن يراعي هذا الاختلاف الجوهري في الهوية والوظيفة.
وفي المقابل، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية، يتمثل في ما يمكن تسميته بـ«المؤشرات الوهمية» أو «العبثية»، وهي تلك التي تنشغل بها بعض المؤسسات دون أن تضيف قيمة حقيقية إلى أدائها. والأخطر من ذلك أن بعض هذه المؤشرات أصبح صناعة تجارية، تروج لها جهات وشركات تسويق إقليمية ودولية، تمنح تصنيفات وترتيبات عالمية مقابل مبالغ مالية، دون معايير علمية رصينة أو ضوابط موضوعية. وقد نبّهت منظمات دولية عديدة إلى وجود مثل هذه الممارسات، وحذّرت من الاعتماد عليها في تقييم أداء المؤسسات.
ومن مظاهر هذا الخلل أيضًا اندفاع بعض المؤسسات وراء سباق المؤشرات بصورة مبالغ فيها، فتتعامل مع جميع الإدارات والاختصاصات بالمعايير نفسها، من غير مراعاة لاختلاف طبيعة الأعمال الفنية والإدارية والمالية، أو خصوصية كل قطاع. وهذا النهج لا يخدم أهداف المؤسسة، ولا ينسجم مع سبب إنشائها أو اختصاصاتها، بل قد يدفعها إلى الانشغال بتحقيق أرقام شكلية على حساب الإنجاز الحقيقي.
إن الانجراف نحو هوس المؤشرات، واعتبارها بوصلة المؤسسة الوحيدة، من دون مراجعة أو حوكمة أو تقييم مستمر، لن يحقق نجاحًا حقيقيًا، بل قد يصنع صورة إعلامية براقة تخفي وراءها واقعًا مختلفًا، تغيب فيه النتائج الفعلية والعوائد المرجوة.
لذلك، فإن الإدارة الواعية مطالبة بإعادة ضبط بوصلة المؤشرات، وتحقيق التوازن بين أهميتها وضرورات استخدامها من جهة، وبين تجنب عبثيتها ومظاهرها الشكلية من جهة أخرى. كما ينبغي أن تُدار هذه المؤشرات بأيدٍ خبيرة تمتلك القدرة على بناء أدوات قياس علمية، وتحليل البيانات بموضوعية، واستشراف المستقبل بمهنية وعدالة ونزاهة، بعيدًا عن أي إملاءات أو اعتبارات لا تخدم المصلحة المؤسسية.
فالمؤشرات ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لقياس الأداء وتحسينه. فإذا فقدت هذه الغاية، تحولت من أداة للتطوير إلى عبءٍ إداري يستهلك الوقت والموارد، ويمنح المؤسسة نجاحًا شكليًا لا ينعكس على الواقع.



