التحول الرقمي في وزارة الصحة .. خطوات واثقة نحو منظومة صحية ذكية
خالد بن خليفه الشعيلي
في ظل التوجهات الوطنية الطموحة التي تجسدها رؤية “عمان 2040″، تمضي وزارة الصحة بخطى ثابتة نحو ترسيخ التحول الرقمي كركيزة أساسية لتطوير الخدمات الصحية المقدمة للمواطنين والمقيمين على حد سواء. فلم يعد الحديث عن الرقمنة في القطاع الصحي مجرد رفاهية تقنية، بل أصبح ضرورة حتمية تفرضها متطلبات العصر وتطلعات الإنسان العماني نحو خدمات صحية أكثر كفاءة وسرعة ودقة.
مسيرة بدأت ولم تتوقف ولم يأتِ هذا التحول من فراغ، بل جاء نتاج جهود ممنهجة ومتراكمة عبر السنوات، حيث عملت المديرية العامة لتقنية المعلومات والصحة الرقمية على بناء بنية تحتية رقمية متكاملة تشمل أنظمة استشفائية متقدمة كنظام “الشفاء” الذي يُعد العمود الفقري لإدارة البيانات السريرية والإدارية في المستشفيات، إلى جانب أنظمة أخرى مكملة كنظام “ترصد” المعني بالترصد الوبائي، ونظام إدارة المرضى الذي يُسهم في تنظيم رحلة المريض من لحظة دخوله المنشأة الصحية وحتى خروجه.
من الورق إلى الشاشة ومن أبرز ملامح هذا التحول، الانتقال التدريجي من الاعتماد على السجلات الورقية إلى الملفات الإلكترونية الموحدة، وهو ما انعكس إيجابًا على دقة التشخيص وسرعة اتخاذ القرار الطبي، وقلّص كثيرًا من الأخطاء التي قد تنجم عن ضياع المعلومات أو تكرار الإجراءات. كما فتح هذا التحول الباب أمام تجارب نوعية مثل خدمة استرجاع التقارير الطبية، التي خضعت لتجارب تشغيلية موسعة شملت مستشفيات مرجعية كالمستشفى السلطاني ومستشفى نزوى ومستشفى الرستاق ومستشفى عبري، في خطوة تستهدف تمكين المريض من الوصول إلى تقاريره الطبية بسهولة ويسر، أينما كان.
التدريب… حجر الزاوية في نجاح المنظومة، ولعل من أهم الدروس المستفادة في هذه المسيرة، أن نجاح أي نظام رقمي مهما بلغت كفاءته التقنية، يظل مرهونًا بمدى تمكّن الكوادر البشرية من التعامل معه بثقة واقتدار. ومن هنا، تبرز أهمية برامج التدريب وورش العمل التي تواكب كل مرحلة من مراحل التطبيق، بدءًا من التهيئة وحتى التشغيل الفعلي، بهدف ضمان انتقال سلس لا يُربك سير العمل في المنشآت الصحية ولا يُثقل كاهل الكوادر الطبية والإدارية.
تحديات لا تخفى على متابع غير أن طريق التحول الرقمي، شأنه شأن أي مشروع وطني كبير، لا يخلو من التحديات التي تستدعي اهتمامًا مستمرًا ومعالجة استباقية، حتى لا تتحول إلى عائق أمام استمرارية الخدمة أو جودتها.
نحو مستقبل رقمي أكثر نضجًا، إن ما تحقق حتى اليوم في مسار التحول الرقمي بوزارة الصحة، وإن كان يستحق الإشادة، إلا أنه يبقى محطة في رحلة أطول وأكثر طموحًا. فالمنظومة الصحية الرقمية المنشودة تتطلب تكاملًا أعمق بين الأنظمة المختلفة، وتطويرًا مستمرًا لقدرات الكوادر الوطنية، واستثمارًا حقيقيًا في الأمن السيبراني لحماية بيانات المرضى التي تُعد من أكثر البيانات حساسية. كما تتطلب شراكة فاعلة بين الجهات الصحية ومراكز المعلومات الوطنية لضمان تبادل البيانات بسلاسة وموثوقية.
وفي النهاية، يبقى التحول الرقمي في القطاع الصحي مسؤولية مشتركة، تتضافر فيها جهود صنّاع القرار والتقنيين والكوادر الصحية، لتحقيق غاية واحدة: مريض عماني يحصل على رعاية صحية أسرع وأدق وأكثر إنسانية، تليق بمكانة هذا الوطن وتطلعاته.



