بين القرار والواقع: من يحمي العابرين؟
الكاتبة/ سالمة بنت هلال الراسبي .. باحثة تربوية أول – قسم التوعية والإرشاد الطلابي – تعليمية جنوب الشرقية
في لحظة هادئة لا تُسجّل في محاضر اللجان ولا تُكتب في تقارير الإنجاز، يقف الطالب الجامعي البسيط أمام حقيقة لا تشبه ما تعلّمه عن العالم. يتذكر حين جلس طويلًا مع كتبه، معتقدًا أن الطريق الواضح تكون نهايته عادلة، ثم يكتشف أن الجهد والسهر يمكن أن يبقيا في مكانهما بينما تتحرك القواعد بعيدًا عنه، وأن الحكمة “من سار على الدرب وصل” لم يصل صاحبها بالفعل! فالطريق أُعيد رسمه بعد أن قُطع نصفه على غير العادة مع القرار الوزاري رقم 155/2026م.
رؤية عُمان 2040، في عمقها، لم تُبنَ على هذا الاختزال، بل على وعدٍ بأن الإنسان هو المركز، وأن فلسفة التعليم هدفها الحقيقي هي المعرفة نفسها والتعليم من أجل التعليم، وتطوير العقل والفهم والوعي. وهو ما لم يوفره قرار 155/2026، حيث قطع على الطلاب طموحهم في الاستمرارية بالتعليم، وإكمال مسارهم الذي سار فيه من سبقهم!
الطالب الواقف أمام الباب المُعاد رسم مساره التعليمي لم يُقصّر، فقد حافظ على استقراره الأكاديمي، وشارك في الأنشطة العلمية، وكرّس سنواتٍ لبناء طريق دراسي كان يراه امتدادًا طبيعيًا لجهده. وهذا الطالب ليس فردًا معزولًا، هو مشروع أسرة بأكملها: أبٌ صرف ما لا يملكه فائضًا، وإخوة أصغر ينظرون إليه باعتباره الدليل الحي على أن الجهد يجدي. ثم وجد أن المعيار الجديد لا يرى هذا التاريخ كله. حين تتغير الشروط على من هم في منتصف المسار، تنهار منظومة توقعات كاملة كانت تُبنى في الظلام بصمت ومحبة.
ولأن القرار الحكيم في التعليم يُبنى على مستقبلٍ أفضل للأجيال القادمة، مع مراعاة أوضاع القائمين على التعليم اليوم، كما تقول الحكمة: “لا تُغيّر مسار النهر بسبب القوارب التي تعبره اليوم، بل من أجل القوارب التي ستعبره غدًا”.
حين أرادت فنلندا رفع معايير إعداد المعلم في إصلاح التسعينيات أبقت على الشروط القديمة للدفعات القائمة كاملةً، وطبّقت المعايير الجديدة على من يدخل النظام لاحقًا. وكندا اعتمدت برامج السنة الجسرية التأهيلية التي أتاحت لمن لم يستوفِ الشروط الجديدة رفعَ جاهزيته بدعم حكومي. وفي المملكة المتحدة حين أُعيدت الهيكلة عام 2012 أنشأت الحكومة لجانًا انتقالية مستقلة مهمتها حماية من هم في منتصف الطريق، وكأنه ترسيخًا للمثل اللاتيني الذي يقول: “القوانين تسري على المستقبل لا على الماضي”.
وعلى هذا تنبثق الحلول العاجلة الواجب رفعها اليوم إلى معالي الوزيرة وإلى مجلس الوزراء الموقر، نقول بكل وضوح: إن عُمان دولة جعلت من التعليم وعد أجيالها، والتزمت صراحةً بألا يُترك أحد خلف الرؤية. وهذا القرار في هدفه نبيل، لأن رفع جودة المعلم رفع لجودة المستقبل، لكن تطبيقه دون حماية انتقالية يضع الجهات المعنية أمام سؤال أخلاقي: هل العدالة أن تُحسّن الجودة على حساب من بنوا بإخلاص؟
ومن هنا يمكن البحث عن حلول عاجلة ترمم الندوب التي أحدثها هذا القرار، كفترة انتقالية واضحة تُطبّق فيها الشروط القديمة على كل من باشر مساره الجامعي قبل صدور القرار، وإطلاق برنامج سنة جسرية تأهيلية بتمويل حكومي لمن لم يستوفِ الشروط الجديدة، واعتماد معيار قبول متعدد الأبعاد يدمج المعدل بالأداء التطبيقي والنمو الأكاديمي، وإنشاء لجنة مراجعة انتقالية مستقلة تُصدر توصيات تصحيحية ملزمة، وإقرار آليات دعم موجه للفئات الهشة لضمان ألا يتحول الإصلاح إلى عبء يقع دومًا على من لا يملكون خيارات بديلة.
وأخيرًا، حين تُطوى الملفات، وتُرفع التقارير، وتستقر الأرقام في جداولها الباردة، يبقى هناك مشهدٌ لا تراه الإحصاءات، ولا اجتماعات اللجان الوزارية، ولا التقارير الورقية والرقمية. مشهد أمٍ أخفت دمعتها كي لا تهزم عزيمة أبنائها، وأب لم يكن يملك من الثروة إلا إيمانه بأن التعليم هو الطريق الأخير الذي لا يخون أصحابه، وأخ أصغر يراقب المشهد بعينٍ لم تعرف المدرسة بعد.
ويبقى اليقين بأن الإصلاح الحقيقي يُقاس بقدرته على صون العدالة، وأن التجارب التي صنعت أنظمة تعليمية راسخة لم تبدأ بإقصاء من كانوا يعبرون الجسر، بل ببناء جسرٍ أصلب يعبر عليه القادمون، دون أن يُلقى بمن سبقهم في النهر.



